

يشكّل الثنائي الروائي «كتارسيس» و«ثورة الشكّ» مشروعًا سرديًا متكاملًا يتتبّع تحوّلات الذات الأنثوية في سياق اجتماعي وسياسي تونسي معاصر.ليست «ثورة الشكّ» رواية عن الطلاق، كما قد يبدو في ظاهر الأحداث، وليست «كتارسيس» مجرّد رواية عن الألم العاطفي. إنّ العملين الروائيين ، إذا قُرئا في سياق واحد، يشكّلان مسارًا سرديًا متكاملاً لتحوّل الذات الأنثوية من الانكسار الصامت إلى الوعي المستنير، ومن الامتثال إلى مساءلة البنية والأسباب التي صنعت ذلك الامتثال.
في «كتارسيس» يبدأ كلّ شيء من الداخل: احتقان، تراكم، انكسار، ثمّ انفجار. أمّا في «ثورة الشكّ»، فبعد أن هدأ الدخان، تبدأ الأسئلة الحقيقية. وهنا تتجلّى فرادة المشروع الروائي للدكتورة حنان جنان: فهى لا تقدّم بطلة تتمرّد فجأة، بل امرأة تمرّ بمخاض طويل من الإدراك. واختيار اسم "رحمة" يعد ذا مغزى، إذ ربما أرادت الكاتبه أن تشير إلى رحمة فك الأسر والقيود، ورحمة التحرر من الاحتراق الداخلى.

فإذا كانت «كتارسيس» تمثّل لحظة الانفجار العاطفي والتطهّر من التراكمات النفسية، فإن «ثورة الشكّ» تمثّل مرحلة أكثر تعقيدًا: مرحلة مساءلة الذات بعد أن هدأت العاصفة. يحيل عنوان «كتارسيس» إلى المفهوم الأرسطي للتطهّر عبر الألم والخوف. وفي هذا الجزء، تعيش البطلة حالة انفجار داخلي نتيجة تراكمات القهر العاطفي والاجتماعي. التطهّر هنا ليس لحظة صفاء، بل لحظة احتراق. إنّ الانتقال من التطهّر إلى الشكّ ليس انتقالًا خطّيًا، بل هو تحوّل من الانفعال إلى الوعي، ومن الألم إلى التحليل، ومن التمرّد الغريزي إلى إعادة بناء الهوية على أسس فكرية.
من منظور نسوي، يمكن قراءة «كتارسيس» بوصفها لحظة إدراك أولى بأن الحياة التي تعيش فيها البطلة ليست حيادية. الزواج، الأسرة، الأدوار المفروضة، كلها ليست قدَرًا طبيعيًا، بل منظومة تشكّلت لها. في هذا الجزء، الألم هو المحرّك. البطلة تتألم، تبكي، تنكسر، لكنها تبدأ في رؤية نفسها خارج الصورة التي رُسمت لها. التطهّر إذن ليس نهاية، بل بداية الوعي.

إذا كانت «كتارسيس» لحظة تفريغ عاطفي، فإن «ثورة الشكّ» لحظة مساءلة عقلية. هنا لم تعد البطلة تبكي فقط، بل تسأل. والشكّ ليس حالة مرضية، بل أداة تفكيك. حين تواجه زوجها بقرار الانفصال، لا تفعل ذلك في لحظة غضب، بل في لحظة وعي بارد. تقول:"مللت هذه المسرحية لذلك قررت إنهاء العرض وإسدال الستار"، فالزواج -كما تراه- لم يعد قدرًا مقدسًا، بل عرضًا انتهى دوره. هذه اللغة المسرحية تكشف انتقالها من موقع الممثّلة إلى موقع من يرى العرض من الخارج.
البطلة "رحمة" تعيش نوعًا من المعاناة الداخلية نتيجة زواج فقد معناه، وحياة تحوّلت إلى تكرار بارد. لا عنفا صريحًا، لا خيانة، لا فضيحة. بل شيء أخطر: البرود. وشبهت حياتها مع زوجها "منير" ب "الرخام ". هذه الجملة تكثّف الوعي الجديد. الرخام ليس عنفًا ظاهرًا، بل برودة مميتة. الزواج لم يكن مأساة صاخبة، بل موتًا بطيئًا. وهذا أخطر.هذا الاعتراف المتأخّر هو خلاصة مسار «كتارسيس». الرخام هنا استعارة دقيقة: صلابة بلا دفء، أناقة بلا حياة. لم تكن البطلة مضطهدة بالمعنى التقليدي، بل محبوسة داخل نموذج أنيق للامتثال. في «كتارسيس» كانت "رحمة" تنفجر من الداخل. في «ثورة الشكّ» هي تفهم لماذا انفجرت وتتخذ "فعلا" لتغير حياتها، فتتطور الشخصية من مرحلة التراكم الصامت (ما قبل كتارسيس) تجسدت فى شكل امتثال، تكيّف، ومحاولة إرضاء الجميع. ثم مرحلة التطهّر او (الكتارسيس) التى تأتى بالانفجار،والاعتراف بالألم، بداية الانفصال عن الصورة القديمة. ثم تختتم بمرحلة الشكّ الخلّاق أو الشك المؤدى لفعل حيث إعادة تقييم كل العلاقات: الزوج، الابن، العشيق، الأم، الذات. ويبقى التحوّل الأهم في «ثورة الشكّ» أنّ البطلة لم تعد تبحث فقط عن الحبّ، بل عن معنى وجودها خارج أدوارها.
شخصية الأم في الروايتين تمثّل جيلًا قبل جيل البطلة ،فهى مرآة لجيل سابق، امرأة طموحة خضعت في النهاية لسلطة الزواج. ما حدث للأم يتكرّر بصيغة مختلفة مع الابنة. لكن الفارق أنّ الابنة في «ثورة الشكّ» تجرؤ على كسر الحلقة. الشكّ هنا أداة لكسر الإرث. في «ثورة الشكّ» تقف الأمومة بين القداسة والعبء، تتجلّى عقدة الأمومة بوضوح. علاقة البطلة بابنها "صخر" ليست علاقة تقليدية، بل علاقة اندماج نفسي عميق ، فتصف علاقته معها "صخر رفيقي وتوأم روحي." هذا الاندماج يكشف عن فراغ عاطفي سابق ملأته الأمومة. لكن حين تختار البطلة التحرّر، يتحوّل هذا الاندماج إلى ساحة صراع. الابن يشعر بالغيرة على أمه ويتهمها بالأنانية، يقول لها:"تحمّلتِ من أجل نفسك… ولما بدأتِ تشقّين طريقك أدرتِ ظهرك للجميع."
هذا الاتهام يكشف المفارقة النسوية الكبرى: يُسمح للمرأة أن تضحي، لا أن تختار. فإما أن تكون أمًا كاملة أو تصنف امرأة أنانية. والرواية ترفض هذا التصنيف المبسّط. البطلة لا تنكر ألم ابنها، لكنها ترفض أن تموت داخليًا كي تحافظ على صورة الأم المثالية. ولكن من المفارقات أيضا أن "صخر" لا يستطيع الإستغناء عنها فى الوقت ذاته.
من المنظور النسويً، تطرح الرواية سؤالًا حساسًا: هل يحقّ للأم أن تختار ذاتها؟
المجتمع يطالبها بأن تكون أمًا كاملة وزوجة فقط وأى إختيار آخر غير هذا أو ذاك ستتهم بكونها امرأة أنانية. والرواية ترفض هذا الثنائي.
العلاقة بأحمد ليست مجرّد هروب عاطفي، بل استعادة للحقّ في الإحساس. فهو يعترف بأنوثتها لا بوصفها وظيفة، بل حضورًا حيًا. لكن الرواية لا تقدّم هذا العشق كحلّ سحري. أحمد لا يعوّض الماضي، بل يكشف لها أنّها ما تزال قادرة على الشعور.
من النقاط المهمة في الرواية أنّ البطلة تتحول من الضحية إلى الذات الفاعلة ، فلا تُقدَّم كضحية ، بل كذات تتحمّل مسؤولية اختياراتها ، فتصبح الفاعل الذي يختار "الطلاق"، ويتحمّل نتائجه، ويواجه غضب الابن، ويعيش ارتباكه.وهنا تكمن قوة النص: لا حلول سحرية. التحرّر ليس احتفالًا، بل مسؤولية، و ثمنا تدفعه البطلة.
في «كتارسيس» تنفجر لأنها لم تعد تحتمل الصمت. الألم يصبح شرطًا للوعي. تتطهّر لا لأنها شُفيت، بل لأنها اعترفت. إذا كانت «كتارسيس» لحظة انفعال، فإن «ثورة الشكّ» لحظة تفكير. هنا لم تعد البطلة تسأل: لماذا أتألم؟ بل: كيف عشت كلّ هذه السنوات من دون أن أشكّ؟
الشكّ هنا فعل مقاومة. لا تمرّد صاخب، بل مراجعة هادئة لكلّ ما اعتُبر طبيعيًا. الزواج، التضحية، الصمت، القبول.
الشكّ في الرواية ليس انهيارًا معرفيًا، بل بداية استعادة الذات. البطلة لا تهدم حياتها نزقًا، بل تراجع كلّ يقين. الزواج، الأمومة، صورة المرأة الناجحة اجتماعيًا، حتى صورتها عن نفسها. يقدّم الثنائي "كتارسيس" و"ثورة الشكّ" مسارًا متدرّجًا لتحرّر الذات الأنثوية. التطهّر كان لحظة اعتراف بالألم، أمّا الشكّ فكان لحظة إعادة بناء.
الروايتان لا تحتفيان بالتمرّد بوصفه هدفًا في ذاته، بل تقدّمانه كضرورة وجودية.
و"رحمة" لا تصل إلى يقين نهائي، بل إلى قدرة على مساءلة ذاتها باستمرار.
وهذا في جوهره فعل نسوي عميق: أن تمتلك المرأة حقّ السؤال، لا فقط حقّ البكاء.
ومما أضهر براعة الكاتبة هى قدرتها الأدبية المتميزة على المزج بين الثورة العامة والثورة الخاصة فى تضافر سلس لا يشعر القارئ معه بافتعال . خلفية الروايتين هي تونس ما بعد الثورة. لكن الكاتبة لا تكتب عن السياسة مباشرة، بل عن أثرها في الوعي الفردي. كما تحرّك الشارع ذات يوم، تتحرّك الذات الآن. إذا كانت الثورة العامة كسرت حاجز الخوف، فإن "ثورة الشكّ" تكسر حاجز الامتثال الداخلي. البطلة تدرك أن التحرّر لا يكون بتغيير النظام فقط، بل بتغيير موقعها من حياتها.
"كتارسيس" و"ثورة الشكّ" يشكّلان معًا سيرة تحوّل أنثوي عميق. من الألم إلى الشكّ، من الصمت إلى السؤال، من الدور المفروض إلى الهوية المختارة. لا تقدّم الدكتورة حنان جنان بطلة مثالية، بل امرأة مترددة، قلقة، محاصرة بالذنب أحيانًا، ومندفعة أحيانًا أخرى. لكنها في النهاية تمتلك ما لم تكن تمتلكه من قبل: حقّ السؤال. وفي الأدب، كما في الحياة، ليس الشكّ علامة ضعف، بل بداية الحرية.

منشور في مجلة فنون