
تُعدّ رواية "الأشياء تتداعى" (Things Fall Apart) للكاتب النيجرى "تشينوا أتشيبي" واحدة من النصوص التأسيسية في الأدب الإفريقي الحديث، ليس فقط لكونها أول رواية إفريقية كُتبت من الداخل وبصوت محلي واعٍ، بل لأنها تمثّل لحظة فارقة في إعادة كتابة التاريخ الثقافي والاجتماعي لإفريقيا في مواجهة السردية الاستعمارية الغربية.فهى تُعد من أهم روايات الأدب الإفريقي الحديث. لا تكتفي الرواية بسرد حكاية فرد أو قرية، بل تكشف تحولا تاريخيا وثقافيا عميقا عاشته المجتمعات الإفريقية مع قدوم الاستعمار الأوروبي، وتفكك نظامها الاجتماعي التقليدي. واختيار الرواية ممثلة " كتاب الشهر" لشهر سبتمبر 2025 في نادي الكتاب بالإمارات حول العالم يعكس استمرار قدرتها على إثارة الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية، والسلطة، والتحوّل، وحدود المقاومة. في قلب هذا العمل السردي المركّب،تدور أحداث الرواية في قرية "إيغبوية" قبل وصول الاستعمار وتقف شخصية "أوكونكو" بوصفها محورًا دلاليًا تتقاطع عنده أزمة الفرد وأزمة الجماعة. لا يقدّمه "أتشيبي" بوصفه بطلًا مثاليًا أو نموذجًا أخلاقيًا مكتملًا، بل يصوغه ككيان إشكالي، تتجاور فيه القوة والهشاشة، الفعل والخوف، الإرادة والعجز. فأوكونكو، الذي اشتهر في قبيلته بقوته الجسدية وبراعته كمحارب وزعيم، لم تكن هذه الصفات سوى استجابة نفسية عميقة لهواجس دفينة، يتقدّمها خوفه المرضي من أن يشبه والده، الذي مثّل في مخيلته نموذج الفشل الاجتماعي وانعدام الرجولة. يعرض أتشيبى المجتمع الإيغبوي من الداخل، بعاداته، معتقداته، طقوسه، ونظامه القضائي والديني. يفعل ذلك بلغة هادئة ودقيقة، بعيدا عن النظرة الاستشراقية التي صورت المجتمعات الإفريقية على أنها بدائية أو فوضوية. نرى في الرواية مجتمعا متوازنا له قوانينه وأخلاقه، رغم ما فيه من قسوة أحيانا. مع دخول المبشرين المسيحيين ثم الإدارة الاستعمارية، تبدأ “الأشياء” فعلا في التداعي. لا يأتي التغيير بالقوة وحدها، بل عبر زعزعة القيم من الداخل، حين يجد بعض أفراد القرية في الدين الجديد ملاذا أو فرصة للتمرد على التقاليد. هذا التحول يكشف هشاشة التوازن القديم، ويضع "أوكونكو" في مواجهة عالم لم يعد يفهمه ولا يستطيع التكيف معه. من منظور نفسي-اجتماعي، يمكن القول إن "أوكونكو" بنى هويته لا عبر ما يريد أن يكونه، بل عبر ما يخشاه. فالرجولة لديه ليست قيمة إنسانية متعددة الأبعاد، بل مفهوم اختزالي يقوم على العنف، والسيطرة، وقمع العاطفة، ورفض كل ما يمكن أن يُقرأ بوصفه ضعفًا. ومن هنا تتحوّل التقاليد، في وعيه، من إطار ثقافي مرن إلى منظومة قسرية جامدة، لا تقبل التأويل ولا المراجعة. إنه لا ينتمي إلى أعراف القبيلة بقدرما يتماهى معها حتى الذوبان، فيفقد المسافة النقدية التي تتيح له الفهم أو التكيّف. وعلى هذا الأساس، لا تأتي مأساة "أوكونكو" من صدامه مع الاستعمار وحده، بل من عجزه البنيوي عن إدراك التحوّل بوصفه سيرورة تاريخية معقّدة. فدخول المستعمر البريطاني والمبشرين المسيحيين لا يُقدَّم في الرواية كغزو عسكري مباشر فحسب، بل كاقتحام رمزي لبنية المعنى ذاتها: اللغة، والدين، والقانون، وأنماط الانتماء. وهنا تتجلّى براعة أتشيبي السردية، إذ يكشف أن انهيار مجتمع "الإيغبو" لم يكن نتيجة القوة الاستعمارية وحدها، بل أيضًا نتيجة تصدّعات داخلية سبقت هذا الدخول ومهّدت له. في هذا السياق، يصبح "أوكونكو" مثالًا للفرد الذي يصرّ على استخدام أدوات الماضي لمواجهة واقع جديد، دون وعي بأن طبيعة الصراع قد تغيّرت جذريًا. فهو يفهم المقاومة بوصفها فعلًا جسديًا مباشرًا، قائمًا على المواجهة الصريحة، في حين أن الاستعمار يعمل عبرآليات أكثر تعقيدًا: تفكيك البنية الاجتماعية، وإعادة تشكيل الوعي، واستمالة الأفراد من الداخل. إن عجز "أوكونكو" عن إدراك هذه التحوّلات يجعله في حالة اغتراب مزدوج: اغتراب عن المستعمر، واغتراب أعمق عن مجتمعه الذي بدأ، ولو على نحو متردّد، في التكيّف مع الواقع الجديد. من منظور التراجيديا الكلاسيكية، يمكن قراءة "أوكونكو" بوصفه بطلًا تراجيديًا يمتلك فضائل عظيمة، غير أن عيبًا قاتلًا يقوده إلى السقوط. غير أن هذا العيب لا يتمثّل في ضعف الإرادة، بل في تصلّبها. فالقوة التي صنعت مجده هي ذاتها التي قادته إلى نهايته، حين تحوّلت إلى عناد أعمى، ورفض مطلق لأي مراجعة ذاتية. إن انتحاره في نهاية الرواية لا يمكن فهمه بوصفه فعل يأس فردي فقط، بل بوصفه ذروة الانفصال بين الفرد ومنظومته القيمية، حين لم يعد قادرًا على العيش داخل عالم لم يعد يعترف بتصوّره للمعنى. تصل المأساة ذروتها حين يعجز أوكونكو عن مقاومة الواقع الجديد، فيختار النهاية التي تعكس سقوطه الشخصي وسقوط العالم الذي كان يؤمن به. موته ليس مجرد حدث فردي، بل رمز لانهيار نظام ثقافي كامل أمام قوة تاريخية أكبر منه. وعليه، لا تطرح الرواية سؤال البطولة بمعناها التقليدي، بقدر ما تفكّكه. فأوكونكو ليس مقاومًا نقيًا ولا ضحية بريئة، بل كيان مركّب تتداخل فيه المسؤولية الفردية مع الحتميات التاريخية. وهو بهذا المعنى يمثّل نموذجًا إنسانيًا كونيًا، يتجاوز خصوصية السياق الإفريقي، ليعبّر عن مأزق الإنسان حين يواجه تحوّلات جذرية دون امتلاك أدوات فكرية ونفسية للتعامل معها. إن القيمة الفكرية الكبرى لرواية «أشياء تتداعى» تكمن في رفضها للثنائيات الساذجة: تقليد/حداثة، مقاومة/استسلام، خير/شر. فهي تبيّن أن الانهيار لا يحدث فجأة، بل عبر سلسلة من التصدّعات الصامتة، وأن المجتمعات التي تقدّس الثبات المطلق إنما تمهّد، من حيث لا تدري، لانكسارها. ومن هنا تطرح الرواية سؤالًا مفتوحًا لا يفقد راهنيته: هل تكمن قوة المجتمعات في صلابتها، أم في قدرتها على إعادة تعريف ذاتها؟ بهذا المعنى، لا تُقرأ «الأشياء تتداعى» بوصفها رواية عن الماضي الاستعماري فحسب، بل كنص تأملي عميق في شروط البقاء الإنساني، وفي الثمن الذي يدفعه الأفراد والجماعات حين يختارون الجمود بدل الفهم، والمواجهة العمياء بدل الوعي النقدي. وهي، في جوهرها، رواية عن الإنسان حين يجد نفسه واقفًا على أنقاض عالم كان يظنه أبديًا، ليكتشف متأخرًا أن الأشياء، مهما بدت راسخة، قابلة دومًا للتداعي. تكمن قوة «الأشياء تتداعى» في بساطتها وعمقها معا. فهي رواية عن الصراع بين القديم والجديد، بين الفرد والمجتمع، وبين الهوية والتغيير القسري. كما أنها شهادة أدبية مهمة أعادت للأدب الإفريقي صوته، وفتحت الباب أمام قراءة التاريخ من منظور أهله لا من منظور المستعمر. لهذا ما زالت الرواية حاضرة بقوة في النقاشات الأدبية والثقافية، ليس فقط كعمل فني مميز، بل كنص إنساني يطرح أسئلة ما زالت قائمة حول الهوية، السلطة، ومعنى التقدم.

منشورة بجريدة القاهرة