
لا تأتي الحروب فجأة. هي تتكوّن ببطء، مثل غيوم ثقيلة تتراكم في الأفق، يعرف الجميع أنها ستمطر، لكن لا أحد يعرف متى تهطل ولا كم ستغرق الأرض. اليوم، ونحن نتابع التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو المشهد كأنه فصل جديد من رواية قديمة؛ رواية الصراع على النفوذ، وعلى الأمن، وعلى تعريف القوة والردع في منطقة لم تذق طعم الاستقرار طويلًا.
من الناحية السياسية، لا يمكن فصل هذا التصعيد عن سنوات طويلة من الاشتباك غير المباشر بين الأطراف الثلاثة. إيران ترى في إسرائيل خصمًا استراتيجيًا يهدد نفوذها الإقليمي، وتتعامل مع الولايات المتحدة بوصفها الداعم الأكبر لتفوق إسرائيل العسكري والسياسي. في المقابل، تعتبر إسرائيل أن المشروع الإيراني-بأذرعه العسكرية وتحالفاته الإقليمية- يشكل تهديدًا وجوديًا، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى إيران باعتبارها قوة تسعى لتغيير موازين القوى في المنطقة خارج الإطار الذي ترسمه واشنطن وحلفاؤها.
التوازن هنا هشّ. كل طرف يلوّح بالقوة أكثر مما يستخدمها، لكن حين تُستخدم، يكون الاستخدام محسوبًا بقدر الإمكان لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. إنها لعبة “حافة الهاوية”؛ استعراض للقوة، رسائل بالنار، وضربات محسوبة تحاول أن تردع دون أن تشعل حريقًا لا يمكن السيطرة عليه.
غير أن السياسة- مهما بدت باردة ومنطقية في حساباتها، تظل سطحًا فوق بحر عميق من المشاعر الشعبية المتأججة.
فالحرب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ، بل بعدد القلوب التي تخفق خوفًا، أو غضبًا، أو أملًا في القصاص. فالحرب، حتى لمن لا يحمل سلاحًا، تجربة نفسية كثيفة. هي زلزال داخلي يعيد ترتيب المشاعر، ويكشف هشاشة الأمان الذي نظنه دائمًا مضمونًا.
فالدول التي تكون طرفًا مباشرًا في الاشتباكات، يسود شعور مزدوج: خوف غريزي من الموت والدمار، ورغبة في التماسك أمام “العدو”.
الخوف هنا ليس مجرد قلق عابر؛ هو توتر دائم، انتظار لصوت صفارة إنذار، متابعة لصوت المذيع بترقب، قفزة مفاجئة مع كل خبر عاجل. الأطفال يسألون أسئلة أكبر من أعمارهم، والكبار يتظاهرون بالتماسك كي لا تنهار الجدران المعنوية داخل البيوت.
لكن إلى جانب الخوف، تنشأ حالة من “التصلب النفسي”. تتقارب الصفوف، تُعلّق الخلافات الداخلية، ويُعاد تعريف الهوية الجماعية في مواجهة الخطر. يصبح الانتماء ملجأً نفسيًا، وتتحول الراية إلى رمز أمان، حتى لو كان الأمان ذاته هشًا. أما الشعوب التي تتابع من خارج ساحة المعركة، فهي تعيش حربًا نفسية مختلفة.
هناك تعاطف مع الضحايا، وغضب من مشاهد الدمار، وإحساس عميق بالعجز. الشاشات تنقل الألم لحظة بلحظة، فتتحول غرف المعيشة إلى منصات متابعة دائمة للدم، وكأن العالم كله يعيش داخل بث مباشر لا ينتهي.
في هذا السياق، يتضخم الشعور بالظلم المتراكم. كثيرون، خصوصًا ممن تابعوا ما جرى في غزة خلال الأعوام الماضية، يشعرون بأن العدالة الدولية كانت غائبة أو انتقائية. لذلك، حين يأتي هجوم إيراني يُفهم بوصفه ردًا أو رسالة قوة في وجه إسرائيل، يشعر بعض الناس- بغض النظر عن تعقيدات السياسة- بنوع من “الشفاء الرمزي”. كأن ضربةً ما أعادت التوازن المعنوي المختل، أو منحتهم إحساسًا بأن الألم الذي رأوه لم يذهب هباءً.
هذا الشعور لا يعني حب الحرب بقدر ما يعكس رغبة عميقة في العدالة، في القصاص، في أن لا يكون الدم الفلسطيني مجرد رقم في نشرات الأخبار. إنه تعبير نفسي عن حاجة إنسانية لرؤية ميزان يُعاد ضبطه، ولو للحظة عاطفية عابرة.
لكن النفس البشرية أعقد من أن تُختزل في فرح أو حزن. كثيرون يعيشون تناقضًا داخليًا: يشعرون بالارتياح لرؤية من يعتبرونه “قوة ظالمة” تتعرض لضربة، ثم يتراجعون أمام إدراك أن كل صاروخ يعني بشرًا خائفين، وأمهات يرتجفن، وأطفالًا لا يفهمون لماذا تُقصف السماء.
هنا تتصارع مشاعر العدالة مع مشاعر الرحمة. العدالة تطلب ردًا، والرحمة تخشى من دوامة لا تنتهي. هذا الصراع الداخلي هو أحد أكثر آثار الحروب عمقًا؛ إذ يضع الإنسان أمام سؤال صعب: كيف نطلب الإنصاف دون أن نُغرق العالم في مزيد من الدم؟
في عصر الإعلام الفوري، لم تعد الحرب حدثًا بعيدًا. الهاتف المحمول يحمل الجبهة إلى راحة اليد. الصور تتكرر، المشاهد تُعاد، والتحليلات تتكاثر. هذا التدفق الهائل للمعلومات يخلق حالة من “الإرهاق النفسي الجمعي”.
يشعر الناس بأنهم يعيشون تحت ضغط دائم، حتى لو كانوا في مدن هادئة لا تسمع فيها صفارات الإنذار.
الإعلام لا ينقل فقط ما يحدث؛ بل يضخم المشاعر. يغذي الغضب، يعمق الخوف، وأحيانًا يمنح لحظات من النشوة الانتقامية. وبين كل ذلك، يظل الإنسان العادي يبحث عن معنى، عن تفسير، عن بصيص أمل.
في عمق المشهد، لا يمكن تجاهل أن كثيرًا من الشعوب في المنطقة تحمل ذاكرة طويلة من الإحباطات السياسية والهزائم والانكسارات. لذلك، فإن أي مشهد يُفهم بوصفه تحديًا لإسرائيل أو لمعادلات القوة التقليدية يُقرأ أحيانًا بوصفه استعادةً للكرامة، أو رد اعتبار رمزيًا.
هذا لا يلغي أن الحرب كارثة، لكنه يفسر لماذا تختلط المشاعر. فالمسألة ليست عسكرية فقط، بل نفسية وتاريخية. إنها حكاية شعوب تبحث عن العدالة، وعن صوت مسموع في عالم يبدو أنه لا يسمع إلا لغة القوة.
الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل - مهما اختلفت أشكالها وحدودها- ليست مجرد صراع جيوسياسي. إنها اختبار للنفس البشرية، لقدرتها على الصمود، ولنزوعها إلى الانتقام، ولشوقها العميق إلى العدل.
قد تُحسم المعارك بقرار سياسي، أو بوساطة دبلوماسية، أو بتوازن ردع جديد. لكن الندوب النفسية تحتاج زمنًا أطول كي تلتئم. في النهاية، الشعوب لا تريد أن تعيش على حافة النار. هي تريد أمانًا حقيقيًا، وعدالة لا تحتاج إلى صواريخ كي تُثبت وجودها.
ولكن ،على حافة النار: حين تتقاطع الصواريخ مع أرواح الشعوب
يبقى السؤال معلقًا في وجدان المنطقة كلها:
هل يمكن أن يتحقق القصاص دون أن تتحول الأرض إلى مقبرة أكبر؟
وهل تستطيع العدالة أن تُولد يومًا من رحم السلام، لا من ألسنة اللهب؟
منشورة بموقع مبتدا