الهوية والتمرد وحدود المجتمع في رواية Sula لتوني موريسون

"سولا" Sula هي رواية شهيرة صدرت عام 1973 للكاتبة الأمريكية الحائزة على جائزة نوبل "تونى موريسون" تكشف الرواية - وهي الثانية لموريسون - الصداقة المعقدة بين فتاتين، "سولا" و"نيل"، عبر عقود في مجتمع السود بأوهايو، مُسلطة الضوء على موضوعات مثل الأمومة، والتحرر الأنثوي، وغياب الذكور.

تروى قصة فتاة سوداء صغيرة تُدعى سولا، تنضج لتصبح امرأة قوية وعازمة في مواجهة الشدائد وعدم الثقة، بل والكراهية، التي يبديها المجتمع الأسود الذي تعيش فيه تجاهها. تتعمق "موريسون "في العلاقات النسائية القوية بين شخصيات الرواية، وكيف تُغذي هذه الروابط هوية كل امرأة على حدة، وفي الوقت نفسه تُهددها. كما تتساءل عن مدى استعداد الأمهات لحماية أطفالهن من قسوة العالم، وما إذا كانت هذه الغرائز الأمومية مُثمرة أم ضارة في نهاية المطاف.

تتخذ الرواية بنية دائرية. ففي بدايتها، يشرح الراوي ما حدث لحي "ذا بوتوم"، الحيّ ذي الأغلبية السوداء في تلال أوهايو المطلة على بلدة ميداليون الواديية. ينتقل سكان ميداليون البيض إلى "ذا بوتوم" ويبنون منازلهم وأبراج التلفزيون وملاعب الغولف الفاخرة. في المقابل، ينتقل سكان "ذا بوتوم" السود إلى الوادي. وعندما تنتهي الرواية، يكون العام هو 1965، ويكشف لنا الراوي المزيد عن هذا التحول الجذري في الحي. وبين هذه الفصول، نتعرف على الأحداث التي شكلت هوية سولا والمجتمع الأسود بين عامي 1919 و1965

تتناول رواية Sula  تعقيدات الهوية، والمجتمع، وتوقعات النوع الاجتماعي، والصداقة داخل المجتمع الأسود في بلدة "ميداليون" بولاية "أوهايو". ومن خلال الحياة المتشابكة لشخصيات مثل "سولا بيس" و"نيل رايت"، تكشف "موريسون" عن الصراع بين الحرية الفردية ومتطلبات المجتمع. وتشير الرواية إلى أن المجتمعات غالبًا ما تعرّف نفسها من خلال رفض الأفراد الذين يتحدون معاييرها الاجتماعية، كما تصور الصداقة بين النساء بوصفها علاقة قوية لكنها هشة في الوقت نفسه.

من أهم الموضوعات في الرواية العلاقة بين الهوية الفردية وتوقعات المجتمع. فمجتمع "البوتوم" يُقدَّم منذ البداية من خلال تاريخ تشكّل بفعل الظلم العنصري. تكشف موريسون أن الأرض التي يعيش عليها المجتمع الأسود مُنحت لهم عبر خدعة. إذ تروي القصة أن: 

"وعد مزارع أبيض عبده بالحرية وقطعة من الأرض المنخفضة… فقال له: «انظر إلى تلك التلال، تلك هي الأرض المنخفضة، خصبة وغنية."

تكشف هذه القصة الساخرة كيف أن العنصرية البنيوية شكّلت حياة الشخصيات. فالعبد يحصل على أرض صعبة الزراعة، بينما تبقى الأرض الخصبة في الوادي ملكًا للبيض. تستخدم موريسون هذه القصة لتوضيح أن المجتمع الأسود بُني على الاستغلال والوعود الكاذبة، وهو ما يؤثر في العلاقات الاجتماعية داخل البلدة.

كما تستكشف الرواية كيف تحافظ المجتمعات على النظام من خلال تصنيف بعض الأفراد بوصفهم غرباء أو منحرفين عن المعايير. فشخصية "سولا" تصبح لاحقًا واحدة من هؤلاء. وحتى قبل بلوغها، تُعتبر عائلتها غير تقليدية ومزعجة للمجتمع. وتُصوَّر جدتها "إيفا بيس" كامرأة قوية لكنها مثيرة للقلق، كما يظهر في وصف موريسون لنظرة الناس إليها: 

"كان لدى الجميع الانطباع أنهم ينظرون إليها من أسفل، إلى المسافات المفتوحة في عينيها."

تعكس هذه الصورة سلطة إيفا واستقلاليتها، وهي صفات تتحدى الأدوار التقليدية للمرأة في المجتمع. كما تمهد هذه الصفات لتمرد سولا نفسها على الأعراف الاجتماعية.

ومن الموضوعات الأساسية في الرواية أيضًا تشكّل الهوية الشخصية، وخاصة من خلال تجربة "نيل رايت". يبدأ إحساس نيل بذاتها في التكوّن بعد أن تشهد الإهانة التي تعرضت لها أمها على يد موصل القطار الأبيض. فعندما تبتسم الأم بخضوع لذلك الرجل، تشعر نيل بتغير عميق في نظرتها لأمها ولنفسها. وفي تلك الليلة تنظر إلى المرآة وتقول: 

"أنا أنا… لست ابنتهم. لست نيل." يمثل هذا المشهد مرحلة مهمة في تطور شخصية نيل؛ إذ تدرك أن الهوية ليست مجرد شيء موروث من العائلة أو المجتمع، بل شيء يجب على الفرد أن يحدده بنفسه.

كما تؤكد موريسون على العلاقة العاطفية العميقة بين نيل وسولا، حيث تقدم صداقتهما كشكل من أشكال المقاومة للقيود المفروضة على النساء. تنجذب نيل إلى منزل سولا لأنه يمنحها حرية تفتقدها في منزلها الصارم، حيث تقول الرواية: "شعرت نيل بالراحة في منزل سولا… أما نيل فكانت تفضل منزل سولا الفوضوي."

إن التباين بين منزل عائلة "رايت" المنظم ومنزل عائلة "بيس" الفوضوي يرمز إلى طريقتين مختلفتين في الحياة. فتمثل نيل التوافق مع المجتمع والالتزام بقواعده، بينما تجسد سولا الاستقلال والتمرد. وفي البداية تسمح صداقتهما لكل منهما بتجربة ما ينقص حياتها.

ومع ذلك، تُظهر موريسون في النهاية أن الاستقلالية لها ثمن اجتماعي. فالشخصيات التي تخرج عن السلوك المقبول غالبًا ما تُهمَّش. ومن الأمثلة على ذلك شخصية "شادراك"، الذي أنشأ ما يسمى "يوم الانتحار الوطني" في محاولة للسيطرة على الفوضى التي خلّفتها تجربته في الحرب. إذ اعتقد أنه إذا خُصص يوم واحد للموت، فإن "بقية أيام السنة ستكون آمنة وخالية من الخطر."

تعكس هذه الفكرة حاجة الإنسان إلى فرض نظام على عالم مليء بالعنف وعدم اليقين. ومع مرور الوقت يتقبل المجتمع هذا الطقس الغريب ويجعله جزءًا من حياته اليومية، مما يوضح قدرة المجتمع على التكيف مع السلوك غير الطبيعي بدلًا من القضاء عليه.

في النهاية تقدم رواية Sula نقدًا قويًا للتوتر بين الحرية الفردية والانتماء الاجتماعي. تشير موريسون إلى أن المجتمعات غالبًا ما تحافظ على وحدتها من خلال رفض الأفراد الذين يرفضون الامتثال لقواعدها. وفي الوقت نفسه تحتفي الرواية بالشجاعة التي يتطلبها السعي وراء الاستقلالية، خاصة بالنسبة للنساء السود اللواتي تقيد حياتهن قيود عنصرية وجندرية. ومن خلال شخصيات معقدة وسرد غني، تكشف موريسون أن الهوية والصداقة والمجتمع ليست مفاهيم ثابتة، بل علاقات تتشكل باستمرار.


منشورة بجريدة القاهرة