
قراءة في الوعي والمعنى في كتاب "لو أبصرت ثلاثة أيام" لهيلين كيلر
يمثل الكتاب التأملى الفلسفى «لو أبصرت ثلاثة أيام» نصاً فريداً في الأدب الإنساني، لأنه لا يقدّم رؤية كاتبة تتأمل العالم من موقع المراقب، بل رؤية إنسانة خاضت التجربة من عمق العتمة، ثم حاولت أن تخترع للضوء معنى جديداً. في هذا النص القصير الحامل لثقل التجربة، تتكلّم هيلين كيلر بصوت هادئ وواثق، وكأنها تريد أن تقود القارئ لا إلى حزنها، بل إلى دهشة كانت تتوق إليها. منذ السطر الأول يتضح أن الكتاب ليس مجرد افتراض عابر حول أمنية طارئة، بل محاولة لإعادة ترتيب علاقتها بالعالم كما أرادته لو أعيد إليها البصر. تتعامل كيلر مع فكرة الأيام الثلاثة كأنها مساحة اختبار، أو كأنها انفراجة تمنحها إيّاها الطبيعة ثم تسحبها منها. لهذا لا يبدو النص خطاباً وعظياً ولا مرثية لحواس مفقودة، بل بناءً أدبياً يتكئ على التجربة الشخصية ليطرح أسئلة تتعلق بالإنسان قبل أن تتعلق بالعمى. لعل أهم ما يميّز هذا العمل هو نبرة الوعي العميق. فالمؤلفة لا تكتب انفعالاً ولا شكوى، بل كتابة متأنية، تحسن فيها اختيار التفاصيل. تنطلق من اليوم الأول لتؤكد رغبتها في رؤية وجوه الأحبة، لتعيد إلى الضوء المعنى الذي يربط الإنسان بالإنسان. هنا يتجلى المستوى الإنساني في أوضح صوره، فالرؤية ليست تجربة بصرية بقدر ما هي تواصل. ومن هذا الباب تتسع الدائرة لتشمل رغبتها في تلمّس المعنى الذي صنعته الصداقة والعلاقة الإنسانية في حياتها، وكأن البصر في نظرها ليس سوى نافذة تكشف جمال الروابط التي لا تُرى عادة. أما اليوم الثاني فيأتي ليكشف الجانب المعرفي في شخصية كيلر. فهي لا تريد رؤية العالم بوصفه مشهداً صامتاً، بل بوصفه تاريخاً طويلاً ممتداً خلف كل أثر وكل لوحة وكل مبنى. نظرتها هنا ليست نظرة سائح، بل نظرة باحثة تؤمن بأن المعرفة فعل بصري أيضاً، وأن العين تستطيع أن تعلّم ما لا يبلغه السمع أو اللمس. هذا الجانب يعكس وعياً مبكراً بفكرة تكامل الحواس، وبأن الإنسان لا يكتمل بمعنى واحد. وهنا تبرز قدرة الكاتبة على توظيف تجربتها الشخصية لتقديم رؤية فكرية أوسع، دون التوسل بالعاطفة أو استدرار التعاطف، بل عبر تحليل صادق لتجربة النقص وكيفية تجاوزها. في اليوم الثالث تتوجه إلى الطبيعة، وتحديداً إلى لحظة الشروق وما بعدها. هذا الاختيار ليس مصادفة، فالضوء هنا رمز يتكرر في نصوصها الأخرى، لكنه في هذا الكتاب يأخذ بعداً أكثر عمقاً. الطبيعة بالنسبة لها ليست لوحة ثابتة، بل حركة متغيرة، والعين هي الوسيط القادر على إدراك هذا التغيّر المتواصل. من هذه الفكرة تولد رؤية فلسفية حول الزمن، كأن الكاتبة تؤكد أن إدراك الجمال جزء من إدراك مرور الأيام. ومن خلال هذه التأملات تكشف عن وعي داخلي بأن المعنى لا يُصنع في فعل النظر وحده، بل في قدرة الإنسان على استقبال لحظات الجمال بصدق. من الناحية الأسلوبية، يقدّم الكتاب نموذجاً لكتابة تجمع بين البساطة والبلاغة. فاللغة سلسة، واضحة، لكن الفكرة عميقة. هذا التوازن لم يكن نتيجة حرص أسلوبي فحسب، بل نتيجة طبيعية لتجربة حياة دفعت صاحبتها إلى إدراك القيم الحقيقية للكلمة. تتجنب كيلر الزينة اللغوية، وتكتفي بالتعبير في صور مباشرة، تحصل قوتها من صدقها لا من زخرفها. وفي هذا تذكير ضمني بأن البلاغة ليست في الشكل، بل في القدرة على نقل التجربة الإنسانية من الداخل إلى الخارج. يُحسب لهذا الكتاب أيضاً قدرته على إعادة تعريف مفهوم الحرمان. فالنص لا يقدّم كاتبته كشخص مهزوم أو ناقص، بل كشخص استطاع أن يعيد بناء ذاته من جديد. الرغبة في الإبصار لا تأتي هنا بوصفها شكوى، بل بوصفها مشروعاً تخيلياً يعيد ترتيب القيم. ومن خلال هذا المشروع تتكشف فلسفة كيلر في الحياة: ليست المأساة في فقد الحواس، بل في فقد التقدير لما نملك. وهي بهذا تضع القارئ في موضع المراجعة الذاتية، فيتساءل عن الأشياء التي يملكها ولا يشعر بقيمتها. على المستوى النقدي، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره نصاً يجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي. لا يخضع لبنية أدبية تقليدية، ولا يتكئ على سرد متسلسل، بل يتخذ شكل حلقات متجاورة تبني المعنى عبر الزمن الافتراضي للأيام الثلاثة. وهذا البناء يمنح النص مرونة في الانتقال بين التجربة الشخصية والرؤية العامة. غير أن قصر الكتاب يجعله يبدو كأنّه مقدمة لنص أكبر، أو نواة لمشروع أدبي كان يمكن أن يتسع لو أرادت المؤلفة. ومع ذلك فإن قوة الفكرة تكفي لإعطاء الكتاب مكانته الخاصة. يستند هذا العمل أيضاً إلى استحضار قيم أخلاقية واضحة، من دون أن يقع في المباشرة. فهناك دعوة خفية إلى الانتباه للآخرين، وتقدير الجمال، والنظر إلى الحياة كنعمة لا بد أن تُعاش بالوعي الكامل. وهذه القيم، رغم وضوحها، لا تأتي هنا بوصفها مواعظ، بل بوصفها خلاصة حياة عاشتها الكاتبة في عتمة طويلة. لذلك تبدو الكلمات صادقة، لأن مصدرها تجربة حقيقية لا يمكن الشك في عمقها. يمكن القول إن «لو أبصرت ثلاثة أيام» كتاب صغير الحجم لكنه كبير الأثر. قوته لا تأتي من حجمه، بل من صدقه. وهو نص يُذكّر بأن الأدب ليس بالضرورة مساحة للخيال وحده، بل قد يكون مساحة لإعادة اكتشاف العالم من زاوية جديدة. وهذا ما فعلته هيلين كيلر في هذا العمل: أعادت تعريف البصر بمعناه الإنساني الأعمق، فجعلت من ثلاثة أيام افتراضية درساً مفتوحاً في الحياة، ومرآة يرى القارئ فيها نفسه قبل أن يرى الكاتبة.

منشورة بجريدة القاهرة