ديكنز والخيال الطبقي: قراءة في رواية "آمال عظيمة"


حين يصنع المجتمع أحلامنا ثم يتبرأ منها...

هناك روايات نقرأها، ثم نغلقها ونمضي. وهناك روايات أخرى تظلّ تسير معنا في الحياة بهدوء. رواية  Great Expectation «آمال عظيمة» تنتمي إلى الصنف الثاني. فهي لا تعلن حكمتها بصوت عالٍ، بل تهمس بها همسًا صبورًا، منتظرةً أن يكبر القارئ بما يكفي كي يسمعها. تبدأ الحكاية في الطفولة، وليس ذلك من قبيل المصادفة. عالم البطل "بيب" يولد صغيرًا وباردًا، تشكّله المستنقعات والمقابر وسلطة الكبار الثقيلة. في تلك الصفحات الأولى إحساس يعرفه كثير من القرّاء فورًا: وجع الصِغَر والارتياب، والرغبة في حياة أوسع من تلك الموضوعة أمامنا، من دون أن نعرف بعد ما الذي نريده حقًا. يلتقط ديكنز هذا التوق بحنان يجعل الماضي قريبًا، كأنه قابل للمسّ. نحن لا نراقب طفولة "بيب "فحسب؛ بل نستعيد طفولتنا نحن. ومع نموّ "بيب"، تنمو توقعاته أيضًا، ويكبر معها سخطه الصامت. يبدأ في الاعتقاد بأن أن يصبح «أكثر» يعني أن يصير شخصًا آخر. هنا تنعطف الرواية انعطافًا شجيًا، لأن الحلم الذي يدفعه إلى الأمام يشرع في الوقت نفسه بإبعاده عمّا كان يمنحه الاكتمال. ثمة حزن خاص في متابعة بيب وهو يتعلّم أن يخجل من أصوله، كأن الحبّ والوفاء واللطف أشياء طفولية ينبغي التخلّي عنها في طريق التهذيب والرقي. يشعر القارئ بما لا يراه "بيب" بعد: أن شيئًا ثمينًا يتسرّب من بين أصابعه كلما اتّسعت آفاقه. تقف "إستيللا" في قلب هذا الوجع، لا بوصفها محبوبة فحسب، بل بوصفها فكرة: باردة، بعيدة، عصيّة على الامتلاك. حبّها ليس فعل بهجة، بل امتحان صبر. من خلالها يتعلّم بيب كيف يمكن للرغبة أن تجرح أعمق من الفقد، وكيف يمكن للعاطفة، حين تُحرم الدفء، أن تتصلّب في هيئة شكّ بالذات. ليست "إستيللا" قاسية بطبعها؛ بل صُنعت كذلك، وهنا تكمن إحدى المآسي الصامتة في الرواية. ديكنز لا يطلب منّا أن نكرهها، بل أن نفهم كيف ينتقل الأذى في صمت من روح إلى أخرى. ثم تأتي المفاجأة في قلب الرواية، تلك التي تقلب فهم "بيب" للعطاء والطبقة والامتنان رأسًا على عقب. حين تنكشف الحقيقة، لا تأتي في هيئة انتصار، بل في صورة انزعاج أخلاقي. فالمُحسن ليس من تخيّله "بيب"، والثروة التي أعجبته مشدودة إلى معاناة وتضحية وحبّ لم يجرؤ على طلب الاعتراف. تُجبر هذه اللحظة "بيب" — ومعه القارئ — على مواجهة سؤال مقلق: كم مرّة نقبل العطاء بسعادة حين يأتي في ثوب الاحترام الاجتماعي، ثم ننفر منه حين يصدر عمّن علّمتنا الأعراف أن نتجاهلهم؟ "آمال عظيمة": تبعث رساله مفادها ان المجتمع يصنع  أحلامنا ثم يحاسبنا عليها ، فلا تُقرأ بوصفها حكاية طموح فردي فحسب، بل بوصفها نقدًا حادًا للمنظومة الاجتماعية التي تُنتج الأحلام وتُحدّد قيمتها مسبقًا. ف "بيب" لا يحلم من فراغ، بل يتعلّم كيف يحلم عبر نظرات الآخرين، وإشارات الطبقة، والتمييز الصامت بين "ما يليق" و"ما لا يليق". في الرواية، لا يعمل المال كوسيلة تحرّر، بل كقوة مجرّدة تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية وتزرع الشك في كل تقارب. كذلك لا تظهر المدينة فضاءً للفرص، بل مساحة مراقبة وتصنيف دائمين، حيث يُقاس الإنسان بلغته ومظهره لا بجوهره. ديكنز لا يهاجم الحلم، بل يفضح الوهم الذي يربط القيمة الإنسانية بالصعود الاجتماعي. وهنا تكمن راهنية الرواية: فهي لا تسأل كيف ننجح، بل من يملك سلطة تعريف النجاح أصلًا . تشتغل رواية داخل ما يمكن تسميته بـ الخيال الاجتماعي الطبقي؛ أي ذلك الإطار غير المرئي الذي يحدّد للأفراد ما يجب أن يطمحوا إليه، وكيف ينبغي أن يبدو هذا الطموح. لا يُقدَّم الصعود الاجتماعي في الرواية بوصفه نتيجة اجتهاد، بل بوصفه عملية إعادة تشكيل للذات وفق معايير خارجية. يُفرغ ديكنز مفاهيم مثل «التهذيب» و«الثقافة» من بعدها الأخلاقي، ويعيد تقديمها كأدوات ضبط اجتماعي ناعمة، تُنتج الامتثال بدل التحرّر. فاللغة الراقية، والذوق، وأنماط السلوك، لا تعمل على توسيع الوعي، بل على تعميق القطيعة بين الفرد وتجاربه الأولى. كما تتقاطع الرواية مع نقد مبكر لفكرة التقدّم الخطي؛ إذ يكشف ديكنز أن الزمن لا يُنصف بالضرورة، وأن المعرفة حين تنفصل عن التعاطف تتحوّل إلى شكل آخر من الاغتراب. وعليه، يمكن قراءة نص الرواية مضاد للسردية الليبرالية التي ترَى النجاح استحقاقا فرديا متجاهله البنى التى تصنع الحلم وتفرض كلفته. ما يجعل «آمال عظيمة» عملًا خالدًا ليس حبكته، على روعتها، بل صدقه العاطفي. يسمح ديكنز ل "بيب" أن يكون أحمق، جاحدًا، وأعمى — لا ليعاقبه، بل ليُظهر أن النضج غالبًا ما يعني أن نتعلّم متأخرين. الندم في هذه الرواية ليس صاخبًا ولا دراميًا؛ إنه هادئ، مستمر، وإنساني إلى حدّ موجع. يتجلّى في الفرص الضائعة، وفي الكلمات التي قيلت بلا تفكير، وفي المودّات التي أُهملت حتى غابت. عندما تبلغ الحكاية نهايتها، لا نجد خلاصًا مدوّيًا ولا سعادة سهلة. بدلًا من ذلك، نجد شيئًا ألطف وأكثر صدقًا: إدراكًا بأن النضج لا يعني الارتفاع فوق الآخرين، بل العودة — أكثر تواضعًا وحكمة — إلى القيم التي حملناها يومًا من دون أن نعي قيمتها. رحلة “بيب” تعود إلى بدايتها، وقد بدّلتها التجربة، ولانها الفقد. غالبًا ما تشبه قراءة «آمال عظيمة» الوقوف وحيدًا عند الغسق، والنظر إلى طريقٍ سلكته يومًا من دون أن تظنّ أنه سينتهي. تذكّرنا الرواية بأن الطموح قد يعمي، وأن الحب قد يضلّل، وأن الزمن يعيد تشكيل كل يقين نحمله. لكنها توحي أيضًا، في هدوء وتعاطف، بأن معرفة الذات — مهما تأخّرت — تظلّ نوعًا من النعمة. وحين نغلق الكتاب، لعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يتركه وراءه لا يتعلّق ب "بيب” وحده، بل بنا نحن: كم من توقّعاتنا الخاصة حسبناها سعادة، ثم أدركنا بعد فوات الأوان ما الذي فقدناه حقًا على الطريق؟

منشورة بجريدة القاهرة