"كلّ ما فعله دوستويفسكي" لطارق هاشم

طارق هاشم شاعر معاصر يكتب من منطقة ملتبسة بين السردي والشعري، حيث تتقاطع تجربته مع الحسّ الوجودي والواقعي في آنٍ واحد. تتسم كتابته بقدرة لافتة على تحويل التفاصيل اليومية إلى بنى رمزية، وعلى إعادة تأويل المعاناة الفردية بوصفها مرآةً لتصدعات أوسع في الإنسان والعالم.

يحمل عنوان الديوان "كلّ ما فعله دوستويفسكي" حمولة دلالية كثيفة، إذ لا يُستدعى اسم دوستويفسكي هنا باعتباره مرجعًا أدبيًا فحسب، بل بوصفه رمزًا للمعاناة الإنسانية القصوى، وللكتابة التي تُنتج من الألم.


غير أن المفارقة تتجلى في هذا المقطع الصادم: 

   "كل ما فعله دوستويفسكي طوال حياته
     لم يضمن لأمي
     أكثر من مقعد صغير
     في عيادة بائسة"

هنا يُعاد تقييم الأدب نفسه؛ فالإبداع، مهما بلغ عمقه، يبدو عاجزًا أمام احتياجات الواقع القاسي. وكأن الشاعر يطرح سؤالًا خفيًا: ما جدوى الأدب إن لم يخفف وطأة الألم المادي المباشر؟ 

لا يعتمد الشاعر على الموسيقى التقليدية، بل يبني إيقاعه من خلال التقطيع والانكسار. فالجمل القصيرة، والانزياحات المفاجئة، تعكس حالة نفسية متوترة.

فأجيبهم
بخوف لم أعرف مثله من قبل
موجود"

هذا التقطيع لا يخدم الشكل فقط، بل ينقل ارتباك الذات، ويجعل اللغة نفسها تعيش حالة القلق. الأماكن في الديوان ليست مجرد خلفيات، بل تعبيرات عن الحالة الداخلية. فـ"وكالة البلح" مثلًا ليست سوقًا فقط، بل ذاكرة للفقر والانكسار:

 سلمى لا تعرف الطريق إلى" وكالة البلح" ،أقنعتها أن طرق الفقراء واحدة 

"هنا كنت ألمح أمى، وهى تخفى دمعها فى كم جلبابها 

كى لا يرى العابرون كبريائها المهزوم 

المكان هنا محفور في الجسد، لا مجرد موقع خارجي، مما يعمّق الإحساس بالانتماء القسري.

يستدعي الشاعر أسماءً كبرى (دوستويفسكي، فرجينيا وولف، كامو)، لكنه لا يتعامل معها بتبجيل، بل يعيد إدماجها في سياق يومي هش: 

"كم مرة سمحت لي الظروف
أن أبكي
بين يدي (فرجينيا وولف)"

الرمز هنا يُنزَّل من عليائه، ليصبح جزءًا من تجربة شخصية، مما يكسر المسافة بين "الكبير" و"الهامشي".

لا يُطرح الفقر في الديوان بوصفه حالة عابرة، بل كقدرٍ يُعيد تشكيل الوعي والعلاقات. يتجلى ذلك بوضوح في تجربة الأم: "كانت أمي ترهن ما تبقى من زينتها، كي تشتري لنا البطاطين العادية" 

هذه الصورة لا تصف الفقر فقط، بل تكشف عن آلية التضحية الصامتة، حيث تتحول الأم إلى كيان يُستهلك بالكامل من أجل البقاء. وفي ذروة هذا المسار، يصل الشاعر إلى لحظة مأساوية:

"بعت الأعمال الكاملة لدوستويفسكي، كي أشتري لها تذكرة الطبيب" 

إنها لحظة صراع بين الثقافة والحياة، بين الجمال والضرورة، حيث يُضحى بالأدب لصالح النجاة. 

لا يقدّس الشاعر الأدب، بل يعامله بوعي نقدي حاد. ففي موضع آخر يقول: 

"القصائد للأسف
شريكنا الخفي
في كل الجرائم" 

هذه العبارة تكشف عن رؤية مغايرة: فالشعر ليس بريئًا، بل قد يكون متواطئًا، إما بالصمت أو بالعجز. إنها مساءلة جذرية لدور الكتابة، تقوّض التصور الرومانسي عنها.

يُقيم الشاعر مفارقة حادة بين صور البراءة (الأم، الطفلة، الحب) وبين عالم قاسٍ يلتهم هذه البراءة بلا رحمة. في مشهد الطفلة الجائعة: 

"كي لا تدعها تفقد كبرياءها
تحت عجلات أدمنت
أن تدهس الجائعين" 

الطفولة هنا لا تُحمى، بل تُسحق. وهذه المفارقة تكشف عن عالم مختلّ القيم، حيث لا يجد الضعف من يحميه.

لا يمرّ الذنب في هذا الديوان كحالة عابرة، بل يتجذر كعنصر بنيوي في تكوين الذات. فالشاعر لا يكتفي بالإحساس بالخطأ، بل يعيد إنتاجه باستمرار، حتى في مواقف تبدو هامشية: 

"يقولون أنني
كنت سبباً رئيسياً
في قطع عيش
مسحراتي قريتنا العجوز" 

يتحوّل الفعل الطفولي البسيط إلى جريمة وجودية، تتضخم داخل الوعي حتى تُعيد تشكيل صورة الذات. وكأن الشاعر يحمل داخله محكمة لا تهدأ، تُصدر أحكامها باستمرار.

يُقيم الديوان مساحة رمادية بين الواقع والتخييل، كما يظهر في نص "ماريا"، حيث تتداخل شخصية روائية مع صوت الشاعر: "هربت (ماريا) من رواية النفق"، هذا التداخل لا يُستخدم للزينة، بل لتوسيع أفق التجربة، بحيث تصبح الحياة نفسها نصًا قابلاً لإعادة الكتابة. وكأن الشاعر يقول إن الواقع لا يقل عبثية عن الرواية. 

لا يقتصر الانكسار على الذات، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، كما في مشهد المرأة الفقيرة: 

"كي لا تدعها تفقد كبرياءها
تحت عجلات أدمنت
أن تدهس الجائعين" 

الصورة هنا تتجاوز الوصف إلى الإدانة؛ فالعالم ليس محايدًا، بل يمارس قسوة منهجية على الضعفاء.

الحب في هذا الديوان لا ينجح في إنقاذ الذات، بل غالبًا ما ينتهي إلى خيبة: 

"الحب لا ينصف الغرباء وكثيراً ما يخسرون" 

إنه اعتراف مرير بأن الحب، رغم نقائه، عاجز عن مواجهة اختلالات الواقع. 

في واحدة من أجمل صور الديوان، يمنح الشاعر القصيدة استقلالها: 

"شاهدتها وهي تخرج من رأسي في اتجاه الباب"

القصيدة هنا ليست نتاجًا، بل كائنًا يتمرد على صاحبه، مما يعكس علاقة معقدة بين الشاعر ونصه، قائمة على التوتر لا السيطرة. 

يتجلى اغتراب الذات في أكثر صوره وضوحًا في هذا المقطع: 

"نسيت وجهي مكانه
فصرت بلا وجه" 

إنه تعبير مكثف عن فقدان الهوية، حيث لا يعود الإنسان قادرًا حتى على التعرف إلى نفسه.

على خلاف البناء التراجيدي التقليدي، لا يصل الديوان إلى لحظة تطهير (Catharsis) فالألم لا يُحل، بل يستمر ويتراكم. "لم يعد شيئًا باقياً
كي يمارس الناشر مهنته" 

إذا أردنا قراءة هذا الديوان في أفق أوسع، يمكن القول إنه نص يشتغل على تفكيك ثلاث مسلمات كبرى: جدوى الأدب وعدالة العالم وتماسك الهوية، وكلما تقدمنا في القراءة، نكتشف أن هذه المسلمات ليست إلا أوهامًا ضرورية، يضطر الإنسان إلى تصديقها كي يواصل العيش.

غير أن طارق هاشم، في هذا الديوان، يجرؤ على هدمها، دون أن يقدم بدائل. وهذه الجرأة هي ما يمنح النص فرادته وقسوته في آنٍ واحد.

"كل ما فعله ديستوفيسكى" تجربة شعرية تتجاوز البوح الشخصي إلى مساءلة شاملة لمعنى الوجود، ودور الأدب، وحدود الحب، وقسوة الواقع. إنه نص يكتب من منطقة الخسارة، لا ليبكيها، بل ليكشف بنيتها. فالشاعر لا يطلب تعاطفًا، بل يفرض مواجهة.

وفي النهاية، يبدو أن "كل ما فعله دوستويفسكي" لم يكن كافيًا لإنقاذ العالم، ولا حتى لإنقاذ فرد واحد من ألمه الخاص. لكن الكتابة، رغم ذلك، تظل الفعل الوحيد الذي يمكنه أن يمنح هذا الألم شكلاً… ولو مؤقتًا.


منشورة بجريدة القاهرة

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.