“النوستالجيا” بين المنفى والذاكرة

عبر الثقافات المختلفة، ظلّ مفهوم ”النوستالجيا” أو “الحنين إلى الوطن“ موضوعًا عميقًا في السرديات الإنسانية. فهو يُعد من أكثر المفاهيم المرتبطة بالحروب والنزوح. فمع تزايد الحروب وما تخلّفه من لاجئين ومهاجرين، ومع تعقّد مظاهرالحداثة، أصبح الحنين جزءًا من التجربة المعاصرة، وبالتالي من سمات الحداثة في الأدب، إذ يعكس الأدب دوماً ملامح المجتمع بكل ظواهره وتحولاته. فحيثما توجد حرب، يوجد الحنين، وحيثما يوجد الحنين، يكون هناك نفي أو اغتراب، سواء في المكان أو في الزمان. لقد ارتبط ميلاد الشعور بالحنين بالحرب، ففي القرن العشرين، مع الحروب العالمية والكوارث الكبرى، كانت موجات الحنين تتفجرعقب كل مأساة. وحتى الصراعات الحديثة، تركت طعمًا من المرارة والالتباس في نفوس الجنود والمدنيين على السواء.  ولفهم أصل المصطلح، علينا أن نعود قرابة 2800 عام إلى زمن الإغريق القدماء، إذ يتكون لفظ  nostalgia  من الجذرين الإغريقيين nostos (العودة إلى الوطن) وalgia (الألم). ويعرّف قاموس أكسفورد الإنجليزي (1998) الحنين بأنه “نوع من الكآبة ينشأ عن الغياب الطويل عن الوطن”، بينما يعرّفه قاموس أكسفورد الجديد للغة الإنجليزية (1998:41) بأنه “شعورحنين عاطفي إلى الماضي”. إنه ذلك الشوق الذي يجعل الإنسان قلقًا في سعيه لاستعادة الماضي وإعادة تشكيله. ويمكن اعتبار التعريف الأول للحنين بأنه “المعاناة النفسية الناتجة عن الرغبة الشديدة في العودة إلى الوطن“ في ذلك العصر، كان يُعتقد على نطاق واسع أن الحنين يسبب الاكتئاب، وقد يؤدي في الحالات الشديدة إلى الانتحار، غير أن الوضع تغيّر في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ تحوّل مفهوم الحنين ولم يعد يقتصر على فكرة الشوق إلى الوطن . عرّف فريد ديفيس Davis 1979)) الحنين بأنه “استدعاء إيجابي للماضي المُعاش ، وأوضح أن المصطلح لم يُستخدم رسميًا في السياق الأكاديمي إلا عندما نشر الطبيب السويسري “يوهانس هوفر” عام 1688 أطروحته الطبية التي وصفت هذه الحالة، مشبّهًا إياها بمفهوم Heimweh  الألماني، أي ألم الغربة أو الحنين إلى الوطن، وهو ما سمّاه الفرنسيون  maladie du pays أي “داء الوطن”. من الناحية التاريخية، توضّح البروفيسورة “سفيتلانا بويْم” في كتابها البارز “مستقبل الحنين “(2001) أنّ مصطلح Nostalgia صاغه الطبيب السويسري يوهانس هوفر عام 1688 لوصف مشاعر الحنين والمرض التي أصابت الجنود السويسريين عند سماعهم لألحان شعبية أو تذوقهم لأطعمة قروية أثناء وجودهم في المهام البعيدة عن وطنهم. تركز بويْم في دراستها على آثار مفارقة الثقافة الأصلية والإقامة في ثقافات أخرى، وعلى استكشاف المدن الغنية بطبقات الذاكرة الأثرية. كما تميّز بين نوعين من الحنين: الحنين الاستعادي الذي يسعى لاستعادة وطن مفقود، والحنين التأملي الذي يشكّل طريقةً في التفكير حول زمنٍ ومكانٍ بعينهما، حيث تتحول الذاكرة إلى قوة تحويلية وبنائية. ويُصنف “الحنين إلى الوطن” أو “النوستالجيا” إلى ثلاثة أنواع: الحنين الواقعي، والحنين المحاكى، والحنين الجمعي. يشير الحنين الواقعي إلى الشوق العاطفي إلى ماضٍ عاشه الفرد بنفسه، بينما يشير الحنين المحاكى إلى الحنين لماضٍ لم يُعاش بشكل مباشر، مثل الاستماع إلى قصص الكبار عن «الأيام الخوالي». أما الحنين الجمعي، فيمثل الحنين الذي تشعر به أجيال أو ثقافات أو أمم بأكملها . أما بعض النظريات التى أتت لاحقا، مثل نظرية أورطوني وكلوروكولينز (1988)، فقد صنّفت الحنين ضمن المشاعر السلبية المرتبطة بالضيق والخسارة. فطابع الحنين الانفعالي يتمثل بالحزن على الماضي. ويؤكد كل من ونيلسون 1985 Winlson  وهرتز 1990 Hertz  وبيترز   1985 Bertz أن الحنين ينطوي على إدراكٍ مؤلم لضياع جانب مرغوب من الماضي لا يمكن استعادته.  جاء استخدم الطبيب “يوهانس هوفر” للمصطلح ليعبرعن الأعراض النفسية والجسدية التي ظهرت على الجنود السويسريين المرتزقة أثناء خدمتهم في أراضٍ أجنبية. فقد اعتبر الحنين مرضًا عصبيًا أو دماغيًا، تجلّت أعراضه في التفكير المستمر في الوطن، ونوبات البكاء، والقلق، واضطراب ضربات القلب، وفقدان الشهية، والأرق، وحتى الشعور بالاختناق. واعتبره “مرضًا دماغيًا” ناتجًا عن الاهتزازات المستمرة في ألياف الدماغ الأوسط . ومع مرور الوقت، لم يُعد يُنظر إلى الحنين كاضطراب عصبي، بل كنوعٍ من الكآبة أو الحزن العميق. ورغم أن البعض اعتبروا الحنين حالة مرضية نفسية تتجلى لدى الأفراد المقتلعين من جذورهم والذين يشعرون بالعزلة والاغتراب، إلا أنه قد يلعب دوره كوظيفة نفسية إيجابية تسهم في تقوية الذات ومقاومة الاغتراب. فالذكريات الحنينية تحفظ شيئًا من ذات الطفولة الأولى، وتعيد إلى الإنسان إحساسه بأنه كان محبوبًا، وهكذا يعزّز الحنين الرفاه النفسي ويقوّي الروابط الاجتماعية. ومن ثمّ، يمكن القول إن الحنين يخفف من مشاعر الفقد ويعمل كآلية تعويضية ترفع من تقدير الذات وتقلل من الاكتئاب. ومن أبرز النظريات الأدبية في هذا السياق ما يُعرف بـ «فرضية الانقطاع» التي وضعها فريد ديفيس عام 1979، والتي تفيد بأن الحنين يساعد الإنسان على الحفاظ على هويته عند المرور بتحولات كبرى في حياته، فكلما واجه الفرد تغييرات وجودية مثل الانتقال إلى مكان جديد، أو فقدان أحد أفراد العائلة، أو التعرض لأزمة مهنية، زاد لديه الشعور بالحنين مقارنة بمن يعيشون حياة أكثر استقرارًا . أما عن “النوستالجيا” في الأدب فهى تتمثل فى الشوق والحنين إلى الماضي، وغالبًا ما تركز على فترة زمنية أو مكان معين يحملان ذكريات. تُستخدم النوستالجيا كأداة أدبية لإثارة مشاعر معقدة لدى القارئ، مثل الحزن والسعادة، من خلال استرجاع لحظات الماضي من خلال الوصف والتصوير، ففى الأدب، يمكن أن تظهر كحنين إلى الطفولة، أو الوطن المفقود، أو زمن بسيط ومثالي.  ولكن كيف تحديدا تتجلى النوستالجيا في الأدب؟ أحيانا عند وصف الذكريات السعيدة: يصور الكاتب لحظات ماضية، يُنظر إليها على أنها مثالية أو سعيدة، مثل أيام الطفولة الهانئة أو حياة القرية البسيطة. أو عند الشعور بالفقد والحنين فيستخدم الأدباء مفهوم النوستالجيا لتصويرالإحساس بالفقدان تجاه ماضٍ لم يعد موجودًا، سواء تمثل هذا الفقد فى الوطن، أو الأحبة، أو حتى صورة مثالية للحياة. وأحيانا أخرى قد يتجلى فى الهروب من الواقع فتُوظف النوستالجيا أحيانًا كآلية للهروب من تعقيدات الحاضر أو الشعور بالإحباط منه، من خلال اللجوء إلى الماضي الذي يبدو أكثر أمانًا واستقرارًا. وقد يظهر فى هيئة استلهام للماضي، في بعض الأحيان، يتجاوز الأدب الحنين الشخصي ليصبح حنينًا جماعيًا أو ثقافيًا، حيث تسعى الأعمال لاستلهام رموز وأساطير الماضي بهدف استعادة أمجاد سابقة، وهو ما يظهر جليًا في الأدب القومي.  رأى إدوارد سعيد أن “الهجرة والمنفى وتجاوز الحدود هي تجارب يمكن أن تُنتج لنا أشكالًا جديدة من السرد”. ففكرة الاغتراب عن الوطن، وما يصاحبها من توقٍ إلى العودة، تُشعل خيال الكتّاب وتشكّل لغةً مشبعة بالعاطفة والإبداع. إن الرغبة في العودة إلى مكان مفقود تخفي في كثير من الأحيان مشاعر خوف وقلق. ومع ذلك، فإن انتشار الحنين في المجتمعات المعاصرة حول العالم يستحق اهتمامًا أكبر، إذ إن الحنين يُعدّ ردًّا على المفاهيم الجديدة للزمان والمكان التي فرضتها الحداثة؛ فالحنين يعد تمرد على فكرة الزمن الحديث، زمن التاريخ والتقدّم، إذ يسعى الحنين إلى زيارة الزمن كما يزور المكان، رافضًا الاستسلام لعدم رجعة الوقت الذي يقيّد الإنسان .ومن هنا، يمكن النظر إلى الحنين ،لا كاضطراب نفسي، بل كطريقة في فهم التجربة الإنسانية، حيث يُفسَّر الحاضر في ضوء ماضٍ مفقود أو غير قابل للبلوغ. وعليه، فإن الحنين لا يعني بالضرورة الهروب من الواقع أو خداع الذات بشأن الماضي، بل يمكن أن يكون موقفًا فكريًا يرفض منطق الحداثة أوما يمكن تسميته بـ “الرؤية النفقية”Tunnel Vision”   والتى تعني فقدان الرؤية المحيطية الجانبية مع بقاء الرؤية المركزية واضحة، مما يجعل الشخص يرى ما أمامه كما لو كان ينظر من خلال أنبوب ضيق أو نفق وتُستخدم بمعناها المجازي لوصف التركيز المفرط على هدف واحد مع تجاهل ما هو محيط به. وهكذا يصبح مفهوم المكان محورًا أساسيًا يميّز بين الحنين والحنين إلى الوطن (Homesickness) فبينما يشير الحنين إلى الوطن إلى رغبة محددة في العودة إلى موطن مادي، فإن الحنين بمعناه الأوسع يتجاوز الجغرافيا ليصبح بحثًا عن الذات في الزمن والذاكرة. كما تؤدي النوستالجيا وظائف نفسية عدة، فهى لا تعبر فقط عن بحث الإنسان عن الأمان الوجودي في الماضي، بل تساعده أيضًا على استشراف المستقبل وسط غموض الحاضر ومن ثمّ، يُبقي على حوار دائم بين الماضي والحاضر ليُعيد للإنسان إحساسه بالاستمرارية في عالم سريع التغير. بالإضافة إلى أن استدعاء الذكريات الحنينية يولد مشاعر إيجابية ويعزز المزاج العام، كما يقوّي احترام الذات ويُرسخ الهوية الشخصية.

منشورة بجريدة القاهرة