لحظة التنوير Epiphany

"الإبيفانيا "  بمعناها الإصطلاحى  (Epiphany) كلمة يونانية تعني "الظهور"، وهي تُستخدم للإشارة إلى عيد الغطاس، حيث ظهر الثالوث الأقدس في معمودية السيد المسيح. في هذه المناسبة، ظهر الابن في الماء بينما نادى الآب من السماء، وهبطت الروح القدس ، مما يُعتبر "ظهوراً إلهياً". وفي سياقات أخرى، يُستخدم المصطلح بمعنى عام ل"الظهور إلهي" ، بينما يُستخدم في الأدب للإشارة إلى لحظة إلهام أو كشف مفاجئ لحقيقة ما وهذا هوبيت القصيد. يُوصف مصطلح "الإبيفانيا"أو لحظة التنوير  (Epiphany) بطرق متعددة، منها أنها «تجلّيات لحظية للمعنى في التجارب العادية» (Nicols 1)، أو «شعور مفاجئ بالإشراق والكشف قد ينتاب المرء أثناء تأمله لشيء مألوف... ذلك التوهّج المفاجئ للمعنى المنبثق من مشهد أو شيء عادي» Abrams 57) ). أمّا كونراد فيعرّف الإبيفانيا بأنها «تلك اللحظات النادرة من اليقظة التي يحدث فيها كل شيء في ومضة واحدة» (لانغباوم 42Langbaum). وتشير وولف Woolf  إليها بوصفها «معجزات صغيرة يومية، أو ومضات من النور تُشعل فجأة في الظلام “Little daily miracles, illuminations, matches struck unexpectedly in the dark” 161. وبنظرة عامة على الأدبيات، يعرّفDenzin  دينزين "الإبيفانيا", “"لحظة التنوير" بأنها لحظات تفاعلية تترك أثراً عميقاً في حياة الناس، وتمتلك القدرة على إحداث تحوّل جذري في تجربة الفرد (141). في جوهرها، تمثّل الإبيفانيا أزمة وجودية تحدث في مواقف تفاعلية إشكالية، حيث يواجه الفرد أزمة ويختبرها — وقد تكون نتائجها إيجابية أو سلبية ( Denzin  دينزين 143). ومن خلال هذه اللحظة ، تُكشف الشخصية الحقيقية للفرد وتُعاد صياغة البنية الأساسية للمعنى في حياته، إذ تكون بمثابة محفّز لتشكّل هوية جديدة. ويشير دينزين إلى أن هذه التجارب غالباً ما تتضمن مشاعر مؤلمة، وأن معناها لا يُستوعب إلا بعد حدوثها، أي بشكلٍ استرجاعي . ويُحذّر  موريس بيجا   Morris Bejaفي دراسته البارزةEpiphany in the Modern Novel   "لحظة التنوير في الرواية الحديث"ة من الخلط بين تلك اللحظة وبين«الاعتراف الكلاسيكي أو  ال anagnorisis الأنانغنوريسيس»، حيث يكون التكشف فيها عقلانياً أكثر منه روحياً (بيجا 15–16 Beja). يُصنّف  Denzin دينزين " لحظات التنوير" إلى أربعة أنواع: «الكبرى»، و«التراكمية»، و«الصغرى أو التنويرية»، و«المُعادة» (36). ففي "الإبيفانيا الكبرى"، تهزّ التجربة حياة الفرد وتجعلها مختلفة إلى الأبد. أمّا "الإبيفانيا التراكمية" فتنتج عن سلسلة من الأحداث المتراكمة في حياة الشخص. وفي "الإبيفانيا الصغرى أو التنويرية"، تُكشف التوترات والمشكلات الكامنة. بينما في الإبيفانيا المُعادة، يعيش الشخص من جديد نقطة تحوّل كبرى في حياته (Denzin  دينزين 37). ويُفرّق Tigges تيغز بين «الإبيفانيا الذاتية»، التي تعيشها الشخصية الأدبية نفسها، و«الإبيفانيا الموضوعية»، التي تُنقل إلى القارئ أو يدركها السارد (20). ويُضيف نيكولز: «في الإبيفانيا الأدبية، تتحوّل لحظة التجربة الفردية الخاصة إلى مصدرٍ محتملٍ للقيمة في أذهان الآخرين» . ويمكن أن يكون المُستنير  (Epiphanee)  هوالكاتب أو الراوي أو الشخصية أو القارئ، أو مزيجاً منهم جميعاً. ومع ذلك، ما تحدثه لحظة التنوير لشخص ما قد يمرّ دون أثرٍ عند الآخرين؛ فهى ، شأنها شأن الجمال، «تظلّ في عين الناظر". أى تُعرف على حسب نظرة من يُعايشها ومن زاويته وقد تُقدر شدتها او مرورها بحسب الصلابة النفسية للشخص. ويُميّز أشتون نيكولز Ashton Nichols   بين «الإبيفانيا الاستباقية» (Proleptic Epiphany) التي تُستثار بالذاكرة اللاإرادية، حيث «يُعيد العقل تشكيل تجربة ماضية ليُنتج منها معنى جديداً» (74)، و(الإبيفانيا الآنية (Adelonic  التي تُثار من أحداثٍ عادية أثناء وقوعها، وهي «تجسيد غير إدراكي ناتج مباشرة عن تجربة حسية قوية (75). وبناءً على هذا التقسيم يقترح تيغز Tigges تصنيفاً فرعياً لهذين النوعين. فلحظة التنوير الاستباقية يمكن أن تنقسم إلى «الإبيفانيا الاستعادية» عند بيجا، وهي تلك التي «لا تُثير أي انطباعٍ خاص عند وقوع الحدث، لكنها تُنتج إحساساً مفاجئاً بالوعي الجديد عند استعادتها لاحقاً» (بيجا 15)، وهي ما يُسمّى بـ«الإبيفانيا المؤجّلة» (60). وهناك أيضاً نوع «الماضي المستعاد»، حيث لا تكون التجربة الماضية في ذاتها كاشفة، لكن استحضارها في الحاضر يمنحها طابعاً تنويرياً (60–61) ويُفرّق لانغباوم بين «الرؤية التقليدية» و«الإبيفانيا الحداثية» (38). فعلى خلاف الرؤى التي تقع في العقل فقط، ترتبط الإبيفانيا بالحواس أيضاً. وإضافة إلى معياري بيجا — «"عدم التناسب" و«تفاهة الحدث المثير» — يقترح لانغباوم معايير أخرى، مثل الارتباط النفسي («ظاهرة نفسية تنبع من تجربة حسية واقعية»)، اللحظية («تدوم لحظة واحدة لكنها تترك أثراً مستمراً»)، المفاجأة (تغيّر مفاجئ في الظروف الخارجية يبدّل الإدراك الحسي)، وأخيراً التقطّع أو "القفزة الإبيفانية(44–45)    لكن  "لحظة التنوير" لا ترتبط دوماً بلحظات الإلهام السارة. فهناك لحظات تنوير شيطانية ، تُعرّف بأنها «تجلٍ لحقيقة الشر» ويُعرف هذا النوع أيضاً بـ«الرؤية التراجيدية»، حيث يرى البطل، وهو على وشك الهلاك، ماضيه وحاضره ومستقبله في لحظة استبصارٍ خاطفة، فيدرك ما كان يمكن أن يكون، لكنه يرضخ لمصيره الفاني. وهناك أيضاً «لحظة التنويرالزائفة»، حين يعجز البطل عن فهم دوافعه أو التنبؤ بعواقب أفعاله . عادة ما تكون "لحظة التنوير" نتيجة لعملية طويلة من الجهد أو الدراسة أو المعاناة المكثفة، رغم أن التجربة نفسها قد تبدو كوميض مفاجئ من الإلهام. فهي غالباً تتويج لفترة من التفكير العميق أو البحث الدؤوب . كما أنها نادرة الحدوث، وغالباً ما تُثار بمعلومة جديدة ومحورية، لكنها تتطلّب أساساً من المعرفة المسبقة كي تتحقق "قفزة الوعي". ويؤكد ريموند كارفر تأثره بجملةٍ من قصة لتشيخوف أحبها إلى حدّ أنه علّقها على جدار مكتبه، وهي تقول: «... وفجأة أصبح كل شيء واضحاً له». وقد أشار كارفر إلى أنه كان مأخوذاً بـإيحاء الكشف الذي تتضمنه الجملة. لقد اعتُبرت لحظة التنوير طويلاً سمة مركزية في الأدب الحديث، لدى كتّاب مثل جيمس جويس وفرجينيا وولف وجوزيف كونراد. وكان جويس أول من أعاد المصطلح إلى الاستخدام الحديث وأضفى عليه طابعاً دنيوياً، مستخدماً إياه لوصف ومضات الإدراك العميق لدى ستيفن ديدالوس، بطل روايته “صورة الفنان في شبابه “A portrait of The Artist as A Youngman”ورأى جويس أن الفنان يوظّف بصيرته في أحداث الحياة اليومية ليحوّلها إلى احتفاءٍ بالإنسانية . وإذا كان ستيفن في صورة الفنان في شبابه يعرّف الEpiphany بأنها «لحظة من السكون المضيء الصامت»، فإن هيلر يشير إلى مدى التحوّل الذي تُحدثه مثل هذه اللحظات في القارئ كما في شخصيات جويس . تُعدّ وولف وجويس من رواد الحداثة الأدبية، ولكلٍّ منهما مصطلحه الخاص للدلالة على لحظة التنوير. فبينما استخدم جويس مصطلح "الإبيفانيا"، أطلقت وولف على تجربتها اسم «اللحظة ذات الأهمية». وتشترك هاتان التقنيتان في كونهما من سمات أسلوب تيار الوعي في السرد الحداثي. ومن أوجه التشابه بينهما: أولاً، أن كلاً منهما مصمَّم فنياً ليُبرز لحظةً من التجربة الذهنية. فالإبيفانيا التي يعيشها ليتل تشاندلر في قصة جويس سحابة صغيرة، ورؤية العلامة في قصة وولف العلامة على الجدار Mark on the Wall ، كليهما مرتّب لإظهار التعقيد الداخلي للشخصيات و ثانياً، إن كليهما يحتاج إلى محفّز خارجي يُحدث الأثر في الذهن. وثالثاً، كلاهما تقنيتان تهدفان إلى "الإظهار لا التعليق"؛ فالكاتبان يعرضان أفكار الشخصيات وردود أفعالها العاطفية دون تدخل مباشر منهما، مما يترك مساحة واسعة لتأمل القارئ وتخيله . أما الفروق بين الإبيفانيا  أو " لحظة التنوير" و«اللحظة ذات الأهمية»، فهي أن الأولى غالباً ما تكون متصلة بحبكة القصة، بينما تتسم الثانية بالعفوية والتقطّع والعرضية. زمنياً، تمثّل "لحظة التنوير" ذروة مفاجئة تقطع السرد وتنهيه أحياناً، بينما تعبّر «اللحظة ذات الأهمية» عن تدفق مستمر للوعي الداخلي للشخصية . كما أن تلك اللحظة تحمل أثراً اجتماعياً أوسع ومعنى أخلاقياً أعمق، في حين تظلّ «اللحظة ذات الأهمية» أكثر حميمية وذاتية. تتكوّن الإبيفانيا من ست سمات رئيسية بحسب ج. ماكدونالد  G. McDonald (118) الحالة السابقة (Antecedent State): وهي فترة سابقة من المعاناة أو الصراع أو القلق أو الاضطراب الداخلي، تمتدّ لأسابيع أو أشهر أو سنوات. وغالباً ما يعاني من يعيش "الإبيفانيا" من مشاعر مؤلمة كالخذلان أو الندم أو الغضب أو الوحدة أو حتى ميول انتحارية. المفاجأة أو الفجائية (Suddenness): فال"إبيفانيا" في معظم الأحيان تأتي فجأة وبصورة خاطفة، وإن وُجدت أنواع تتّسم بالتدرّج والبطء. التحوّل الشخصي (Personal Transformation): وهي الخاصية الأبرز، إذ تغيّر نظرة الفرد إلى ذاته والعالم من حوله، وتدفعه إلى هدم معتقدات سابقة وبناء وعي جديد يقوم على فهمٍ أعمق أو صفاءٍ روحي. الإشراق والبصيرة (Illumination/Insight): فهي لحظة وعي حادّ لشيءٍ جديد كان غائباً عن الإدراك سابقاً؛ حين يمرّ الفرد بال"إبيفانيا" و يختبر بصيرة تنير جوانب من هويته كانت غامضة. صناعة المعنى (Meaning-making): إذ تمثل عملية يمنح فيها الفرد معنىً جديداً لحياته، فيربط تجاربه الطفولية بمشاعره وسلوكياته الراهنة، ويعيد تقييم الأشخاص والأحداث والظروف من حوله. الطابع الدائم (Enduring Nature): رغم أنها لحظة عابرة، فإن أثرها دائم، فهي تحوّل شخصي مستمرّ ينطوي على وعيٍ جديد مشرق ومعنى متجدّد للحياة. يختارشاوْتِن (Schouten) أسماء مراحل هذا التطور جميعها بحيث تبدأ بالحرفC — وهو اختيار متخيَّل طريف — ليُحدث جناساً صوتياً يُسهِّل تذكّره، ويُطلق عليه اسم «دورة التحوّلات المبدوءة بـ  (A Cycle of C-changes) C يبدأ هذا التطور المتدرّج بالمرحلة الأولى: 

  • الشخصية (Character):وتُعرَّف بأنها «نقطة الانطلاق، وهي التكوين النفسي الأساسي والفطري للفرد؛ الطبيعة الأصيلة مقابل التنشئة المكتسبة» .

 المرحلة الثانية في مسار التطوّر المنطقي وهي: 2- السياق (Context):

ويقصد به البيئة الاجتماعية، والظروف الشخصية، وعلاقات الشخصيات بالآخرين، إضافةً إلى القوى الخارجية مثل الزمان والمكان. هنا تتجلى فكرة التنشئة في مقابل الطبيعة الفطرية3-  الصراع (Conflict):

في هذه المرحلة تواجه الشخصيات صعوبات وتبدأ الفروقات الفردية بالظهور، وهنا تبدأ الحبكة الصاعدة. يُمارَس ضغط خارجي يولّد توتراً داخلياً، فتنشأ قوى متعارضة ومتناقضة. 4- التعقيد (Complication):

ويُقصد به تصاعد التوتر، ومواجهة العقبات، وتزايد التناقضات، حتى تتكثّف الأحداث وتزداد الحبكة تشابكاً. في هذه المرحلة يصبح العبء النفسي شبه لا يُحتمل (شاوْتِن 29). 5- الارتباك (Confusion):

وهي المرحلة التي يبلغ فيها الإيقاع حدّ الفوضى، وتصبح المشاعر مضطربة وعاجلة؛ العقول مثقلة بما يفوق طاقتها؛ تسود الحيرة ويعمّ الاضطراب . 6-  الأزمة (Crisis):

في هذه المرحلة تبلغ المشاعر والانفعالات أقصى مداها؛ تتراكم التوترات حتى تصل إلى نقطة الغليان. هنا يصل الشخص الذي يعيش الإبيفانيا إلى مرحلة اللاعودة، حيث لا يستطيع الاحتمال أكثر. 7- الامتثال أو الاستسلام (Compliance):

في هذه المرحلة، وهي النقطة قبل الأخيرة في تصاعد الحدث، يدخل الشخص في حالة من الاستسلام أو الخضوع بعد أن يفقد الأمل كلياً، فيتخلى عن آخر دفاعاته ويُسلِّم نفسه للواقع . 8-  الفهم أو الاستيعاب (Comprehension):

في مرحلة الفهم، تتجمع قطع الأحجية أخيراً لتُكوّن الصورة الكبرى. وهنا تبلغ الحبكة ذروتها بالإبيفانيا: أي الإدراك المفاجئ لجوهر الذات أو لمعنى الوجود. إنها لحظة وعي حادّ بشيءٍ لم يكن مدركاً من قبل، «لحظة اللحظات» — تجربة قصيرة لكنها شديدة العمق والتأثير، تترك أثراً دائماً في حياة الشخصية المتعرضة للتكشف أو التنوير 

تكشف لحظة التنويرعمّا كان غامضاً في السابق، وتُلقي الضوء على ما كان في الظلمة. ومن منظور هايدغريّ (Heideggerian)، تمثّل هذه اللحظة تحرّراً جديداً نحو الانفتاح بدلاً من الانغلاق، وتوضيحاً لوجود الفرد في أبعاده الجسدية والاجتماعية والشخصية والروحية (ديورزن 62–93).

تُظهر المراحل الأولى من سِيَر الأفراد أنهم اختاروا تجنّب حريتهم الوجودية، فانغلقوا أمام الإمكانات الكاملة لوجودهم وعلاقاتهم . 9-  التطهير (Catharsis):

ويُفهم التطهير بأنه إحساس بالولادة الجديدة، وانزياح ثقلٍ كبير عن الكتفين، وانقشاع العوائق عن الطريق. إنها عملية سريعة من التنقية النفسية تذوب فيها المشكلات كما يذوب الثلج . 10- الوضوح (Clarity):

في أعقاب التطهير، يأتي الوضوح، حيث تحلّ صفاء الذهن محلّ الارتباك، ويُرى الطريق إلى الأمام بجلاء؛ يمكن اتخاذ القرارات، واكتشاف إمكانات وخيارات جديدة. وهكذا تأتي لحظة التنوير الEpiphany متسلسله من (الفهم) ثم التطهير ثم الوضوح على نحوٍ متتابع وسريع. 11-  التغيير (Change):

يظهر التغيير هنا كقوة خارجية فاعلة؛ فالEpiphany تُحدث تحوّلاً عميقاً نحو الأفضل في حياة الشخص، وتُطلق ثورة ذهنية تمكّنه من التقدّم بثقة . 12-  النتائج (Consequences):

الآن يمكن تطبيق التغيير عملياً؛ إذ يختبر الشخص إيماناً جديداً وثقة متزايدة بالنفس. يصل أصحاب الإبيفانيا إلى سلام داخلي مع أنفسهم والآخرين، وتفسح حياتهم المجال للتعاطف والرحمة. إنهم يمرّون بمرحلة تحوّلٍ ذهنيٍ جذري ويتبنون أسلوب حياة جديداً. 13- إعادة البناء (Construction):

في هذه المرحلة، تُعاد بناء الشخصيات وتجديد هوياتها؛ يُستعاد توازنها النفسي ومرونتها العقلية تدريجياً، فتُشكَّل ذوات جديدة خطوة بخطوة، وتتقدّم بثباتٍ من قوة إلى قوة. 14-  الخاتمة (Conclusion):

يصل المستنيرين إلى مرحلة تحقيق الذات؛ يقتربون أكثر فأكثر من ذواتهم الحقيقية، ويبلغون مستوى أعمق من معرفة النفس. لقد انتصروا في معركةٍ شخصية حاسمة، وأصبحوا أكثر استعداداً لما سيأتي من تحديات . 15-  الاستمرار (Continuation):

تجلب طريقة الحياة الجديدة تحدّيات جديدة؛ إذ يسعى اصحاب لحظات التنويرالآن نحو أهدافٍ جديدة ويجدون اتجاهاتٍ جديدة في حياتهم. وهم مزوّدون الآن بمستوى أعلى من الوعي والإدراك، ومستعدّون لاستكشاف آفاقٍ جديدة ومواصلة رحلة النموّ والتحوّل. ثم فى آخر المطاف ، فإنَّ تحليل المُستنيرين  (Epiphanees) لأوضاعهم في العالم وتأملهم فيها، وما يصلون إليه في النهاية من بصيرة عميقة أو تحوّل في المنظور — أي الإبيفانيا ذاتها — يُمكّنهم من إيجاد روابط حيوية بين العناصر المتفرقة في حياتهم. ومن خلال ذلك، تنبثق الوحدة والغاية والمعنى من قلب الفوضى والعبث الذي كان يكتنف الوجود. كما أن البصيرة الجديدة والمنظور المستحدث لدى الأبطال يؤديان إلى إنارة مناطق من الحياة كانت غارقة في الظلام سابقاً. وتكون هذه التجربة على قدرٍ كبير من الأهمية بحيث تُفضي إلى قرار حاسم بتغيير الطريقة التي ينظرون بها إلى أنفسهم وإلى عالمهم. إن الطابع العميق لهذا الإدراك الجديد، والقرار الناتج عنه في السعي إلى التحوّل، يجعلان كل بطلٍ يؤمن بأنه لم يعد ممكناً الاستمرار في العيش كما كان من قبل. فهذه اللحظة الفاصلة من الإدراك أو تبدّل الرؤية هي التي تدفعهم إلى سلوك طريقٍ جديد يشعرون معه بأنه لا عودة منه إلى الوراء.

منشورة بجريدة القاهرة