حين تتنفس اللوحة مسرحا

انتهيت من مطالعة كتاب “المسرح والسينوغرافيا فى أعمال يوجين دولاكروا” للدكتور الفنان والكاتب “عبد الرازق عكاشة” ، ولفظ مطالعة هنا هو الأنسب لأن الكتاب لا يحوى كلمات فقط وإنما أتت النسخة بمجموعة صور للوحات أتى بها عكاشة لنا حصريا. الكتاب والإخراج جاء بطباعة فاخرة تليق بالكاتب وبالمكتوب عنه . يتألف الكتاب من ثمانية فصول كل فصل يحمل لنا إسم وصورة لوحة من لوحات “يوجين دولاكروا ” المُلقب بأبو الحداثة، بداية من اللوحة الأشهر “الحرية تقود الشعوب” تليها لوحة “نساء الجزائر فى خدرهن” ثم تتسلسل باقى الفصول بأسماء بقية أعمال “دولاكروا” ومن بينهم يسطر لنا الفنان عكاشة آرائه المستنيرة حول الإبداع والتشكيل والفلسفة وحقوق الإنسان. بداية بالعنوان وحتى نصل بالمعنى للقارئ الغير متخصص فى الفنون نبدأ بماهية “السينوغرافيا” فهى فن وعلم تصميم البيئة المسرحية، ويشمل ذلك الديكور، الإضاءة، الملابس، الصوت، وجميع العناصر البصرية والسمعية التي تُشكّل المشهد المسرحي  لإيصال المعنى وتجسيد الرؤية الإخراجية. يرصد لنا عكاشة التناقضات والتحولات بين الأسكتش الأصل واللوحة الزيتية للوحة “ الحرية تقود الشعوب” حيث كان من ضمن صفوة النقاد والصحفيين الذين دعووا فى زيارة نادرة للمنزل الخاص ب” يوجين دولاكروا” وحديقته الخاصة ومرسمه. فحمل إلينا جمال التجربة الفريدة بين طيات هذا الكتاب. فألحق به صورا حصرية لم تنشر من قبل. ثم تأتى لوحة “ نساء الجزائر فى خدرهن” فى الفصل الثانى ليبدأ العنوان بخلفيه كاملة للوحة فى الصفحة الأولى ثم  يأتى التحليل الفنى المتخصص الدقيق بتفاصيل شيقة ويخبرنا كيف كُتبت لوحة الجزائريات ويحدثنا عن السينوغرافيا وتطويع حركة الفن التشكيلى كجمال وفن تطبيقى. ثم لوحة ”قارب دانتى” فى الفصل الثالث بنفس الخلفية الكامله وهكذا فى كل فصول الكتاب على التوالى ، مع تسليط الضوء على مسيرة “دولاكروا” والدرب الذى سار فيه والنهج الذى إتبعه وما تعرض له من المنتصرين له ومن الثائرون ضده “ ثم يأتى الفصل الرابع بعنوان “لوحة سلطان المغرب عبد الرحمن بن هشام” و مُعنون جانبيا “الإبداع لا ينفصل عن حقوق الإنسان” فيتوسع عكاشة هنا قليلا فى السرد عن “دولاكروا” كإنسان مولع بالثقافة والإبداع والتجديد وكيف أنه قدم فى مدينة طنجة الساحرة عدة إسكتشات عن موضوعات الحياة اليومية والناس والجغرافيا والأرض وكأنه يضع نصوصا مسرحية سوف يعود إليها عند إيجاد خشبة المسرح الحقيقية 41 ثم نبحر إلى اللوحة الخامسة بعنوان “دخول الصليبين  إلى القسطنطينية”  فيقطع لنا عكاشة التفاصيل فى صور . وينقل لنا كيف أتى علينا “دولاكروا” فى هذه اللوحة برؤية جديدة تماما فهو لا يضع جوانب ديكور للعمل ، إذ لا توجد جدران ثابتة يمينا ولا يسارا، لا معلقات، ، ولا يوجد بطل أوحد ؟ فمن هو البطل هنا؟ والإجابة كانت “الدراما” الحالة الدرامية القوية، فللنظر لكل حالة وحدها ، إنها حالات دراما متقطعة ومتكاملة فى الوقت نفسه. وننتقل إلى اللوحة السادسة المُعنونة “ مذبحة خيوس” اليونانية التى ارتكبها العثمانيون فى حق آلاف من اليونانيين فى جزيرة خيوس،  ليسجلها “دولاكروا” بعرض مسرحى تشكيلى كبير فى هذه اللوحة التى تجاوزت أربعة أمتار، ويعلق عكاشه على هذا العمل “ أحدا لم يتوقع أن يأتى يوم وتوثق فيه الجرائم العثمانية فى حق الشعوب ، لكن القدير والضمير  يصرعلى  أن يوثق التاريخ.     ثم تأتى لوحة “ وفاة أوفيليا” حبيبة هاملت بطلة نص شكسبير ،فيُحدثنا عكاشه عن الرؤية والمنظور المسرحى متأملا وضع “أوفيليا” فى اللوحة يؤكد أن “دولاكروا” يرسم مسرحا وليس مشهدا تشكيليا. اختار “يوجين” مشهد وفاة أوفيليا ليحوله إلى نص تشكيلى يعكس ذكاء وثقافة بلا حدود انعكست فى لوحة أتت بالعلاقات والمعادلات البصرية فى حالة متجددة ملهمه للفنان بالقدرات اللونية فى تجسيد الحالة. ثم يأتى الفصل الثامن ليضم لوحتان: “ موت ساردانابلوس” و“ خطيبة أبيدوس” فالأولى تحكى عن مصرع “سردنابالوس” وهى معروضة فى متحف اللوفر، والتى صور فيها “دولاكروا” دراما شعرية مقتبسه عن مسرحية لنفس الشاعر، فتحكى قصة ملك آشورى يقع تحت الحصار، فيفضل الموت على الاستسلام ولكن يأمر بموت حراسه وخدمه ووحيواناته ليدفنوا معه،  أما فى لوحة “خطيبة أبيدوس” ،يصور دولا كروا حكاية ذكرها الكاتب والشاعر المسرحى الإنجليزى”بارون” وهو يتصف يالدهشة والتجديد والمطالبة بحرية الشعوب ‘ وهى نفس الخطى التى سار على دربها  “دولاكروا”.  عبد الرازق عكاشة،  اختار أن يتناول التجربة الفنية ل “يوجين دولاكروا” – أحد أهم رموز الرومانسية الأوروبية – في ضوء الفكر السينوغرافي، مستكشفًا أوجه التفاعل بين التشكيل والمسرح، وبين اللون والحدث، وبين الصورة والدلالة.  يأتي هذا العمل ليضيف إلى المكتبة النقدية العربية منظورًا تداخليًّا يربط بين تاريخ الفن التشكيلي ومفاهيم المسرح الحديث، ويسهم في إثراء النقاش حول وحدة الفنون وتكاملها في بنية الإبداع الإنساني. كما إختتم الفنان عبد الرازق عكاشة هذا العمل بمحصّلة نقدية تؤكد أن السينوغرافيا المسرحية ليست مجرد عنصر تقني في العرض، بل بنية دلالية وجمالية متكاملة، تتقاطع مع الفكر التشكيلي في مقاصده التعبيرية ورؤاه الجمالية. ومن خلال استحضار تجربة يوجين دولاكروا، استطاع المؤلف أن يبرهن على أن اللوحة التشكيلية يمكن أن تُقرأ بوصفها نصًّا بصريًّا ذا بعد درامي، كما يمكن للمسرح أن يتحول إلى فضاء تشكيلي نابض باللون والضوء والحركة.   إن ما قدّمه عبد الرازق عكاشة في هذا العمل ليس قراءة في لوحات دولاكروا فحسب، بل هو تأمل في ماهية الفكر وراء الجمال، ومحاولة لإعادة بناء الجسر بين التشكيل والمسرح، بين الصورة والفعل، بين المتخيَّل والواقع. ويبقى الكتاب شهادة إبداعية على أن الحوار بين الفنون لا يعرف حدودًا، وأن الفن – متى صدق – يظل مسرحًا دائمًا للإنسان، بكل ما فيه من نورٍ وظلٍّ، من صخبٍ وصمت، ومن شغفٍ لا ينطفئ.

منشورة بجريدة القاهرة