

يُعد التناوب اللغوي Code-Switching أكثر من مجرد انتقال بين لغتين؛ فهو فعل مقاومة ثقافية بامتياز، وإعلان صريح عن هوية ترفض الذوبان في لغة واحدة. فعندما يختار المُتحدث أو الكاتب أن يُدرج كلمة أو عبارة من لغته الأم داخل سياق لغة أخرى مُهيمنة، فإنه يستدعي ذاكرة جماعية كاملة: روائح المكان، نبرة الخطاب، الموروث الشعبي، وكل ما يجعل الثقافة حيّة في الوجدان. وفي الأدب -على وجه الخصوص-، يتحول "التناوب اللغوي" إلى أداة فنية تعيد تشكيل العالم الروائي وتمنح الشخصيات صوتاً أكثر صدقاً وارتباطاً بجذورها. وهكذا يصبح استخدام لغة الأصل داخل اللغة المضيفة شكلاً من أشكال الدفاع عن الذات، ووسيلة لتذكير القارئ بأن وراء الكلمات عالماً آخر لا يمكن ترجمته بالكامل، عالمٌ لا يحيا إلا عبر بقاء لغته حيّة داخل النص وعبره. في السنوات الأخيرة، أصبح اسم الكاتب الأفغانى الأمريكانى خالد حسيني رمزاً أدبياً يتردّد في الأوساط العالمية كلما ذُكرت الرواية المعاصرة التي تجمع بين جمال الأدب وقسوة التاريخ. فمنذ صدورروايتيه “عدّاء الطائرة الورقية” ثم “ألف شمس مشرقة”، وجد القارئ نفسه أمام كاتب لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يُعيد تشكيل اللغة ذاتها، ويُدخلها في معركة مزدوجة: معركة الذاكرة، ومعركة الهوية. وفي قلب هذه المعركة يبرز التناوب اللغوي بوصفه إحدى أهم الأدوات التي يلجأ إليها حسيني لقول ما لا يقوله الآخرون، ولحماية ما تخبّئه الكلمات في ثقافته الأصلية من نبرة وروح ومعنى. ليس "التناوب اللغوي" جديداً على المجتمعات ثنائية اللغة، لكنه حين ينتقل إلى الرواية تتحوّل وظيفته من وسيلة للتواصل إلى وسيلة لتأكيد الهوية الثقافية. فحين يكتب حسيني جملة إنجليزية تنتهي بكلمة فارسية أو بشتوية Persian or Pashto ، فكأنه يفتح نافذة صغيرة داخل عالم كبير، نافذة يطلّ منها القارئ على بلد لا يعرفه إلا من الأخبار، لكنه في الرواية يراه بحواسه قبل أن يراه بعينيه. وقد وصف بعض النقاد هذا الأسلوب بأنه “لغة تهرب من حدودها”، بينما رآه آخرون “شكلاً من أشكال استعادة ما سُلب من المنفى.” يشكّل "التناوب اللغوي" إحدى الظواهر التي رافقت اللغات والمجتمعات المتعددة منذ قرون، غير أنّ حضوره في الأدب الحديث يكتسب بُعداً خاصاً، حين يتحوّل إلى أداة فنية توظَّف لقراءة الهوية والثقافة، ولفتح نافذة على عالم آخر لا يشبه عالم القارئ. وفي أدب الكاتب "خالد حسيني" تحديداً، يبدو "التناوب اللغوي" أكثر من مجرد انتقال بين لغتين؛ إنه جسر يعبر به الكاتب من غربته اللغوية إلى ذاكرته الأفغانية، ومن عالم الهجرة الأمريكي إلى أزقة كابول المثقلة بالحرب والتقاليد. أضاءت هذه الظاهرة في روايتيه" ألف شمس مشرقة" و"عدّاء الطائرة الورقية"، حيث يُكثر حسيني من إدخال مفردات فارسية وبشتوية وعربية داخل نصه الإنجليزي. ويَظهر هذا التداخل بوصفه خياراً أدبياً مقصوداً، لا يرمي إلى زخرفة النص، بل إلى استدعاء عالم كامل لا تكفيه الترجمة. فالتناوب اللغوي في هاتين الروايتين يتخذ أشكالاً متعددة، تارة بين الجمل وتارة داخل الجملة الواحدة، وتارة أخرى على شكل كلمات قصيرة تُقحم في نهاية الحديث، وكأنها تنفلت من الشخصيات بلا وعي، حاملة رائحة ثقافتها ونبرة لسانها. في روايتيه، يظهر التناوب اللغوي بمستويات مختلفة: مرّةً عبر جمل كاملة باللغة المحلية، ومرّة عبر كلمات متفرّقة، ومرّة ثالثة عبر تعابير دينية وثقافية لا يعثر الكاتب على بديل يساويها في الإنجليزية. ولكن الأهم من “كيف” يحدث التناوب، هو “لماذا” يحدث. هنا تحديداً تتجلى براعة حسيني حين يجعل من اللغة مرآة تعكس التمزق الداخلي لشخصياته. فشخصياته، مثل لغته، تعيش بين عالمين: عالم الولادة والنشأة وعالم الهجرة، عالم الانتماء وعالم الاقتلاع. يختار حسيني أحياناً الاحتفاظ بالأغنية أو التهليل أو العبارة الدينية بلغتها الأصلية، كما فعل حين أورد بيتاً شعبياً بلغة "البشتو" في روايته " ألف شمس مشرقة" دون أن يترجمه إلا بعد سرده. وفي مشهد آخر يترك الشعار السياسي “zenda baad Taliban!” يتصدّر المشهد كما يُكتب على الجدران في شوارع كابول. هذه الخيارات ليست اعتباطية؛ إنها جزء من موقفه الثقافي، ووسيلته لإشعار القارئ بالبيئة التي تتحرك فيها الشخصيات: بيئة حيث اللهجة والعبارة اليومية جزء من التاريخ الشخصي والجماعي. ونظرا لأن أفغانستان مجتمعا إسلاميا، يمنح حسينى مساحة واسعة للتعبيرات الدينية والثقافية الإسلامية: salaam، masjid، azan، namaz… كلمات لا تُترجم لأنها ليست كلمات فحسب، بل عوالم كاملة من العادات والمشاعر والطقوس. وينسحب الأمر ذاته على الأطعمة التقليدية: halwa، daal، kofta، على سبيل المثال. إذ يعرف حسيني أن ترجمتها تفقدها نكهتها الحقيقية، لأن الأكل نفسه في الثقافة الشرقية يحمل ذاكرة دافئة، وخصوصية لا تنقلها كلمة “pudding” أو “meatballs”..وأحيانا قد تتحوّل بعض المفردات غير المترجمة إلى رموز ثقافية قائمة بذاتها، مثل Kolba أو agha، حيث تتضح دلالاتها من خلال السياق لا من خلال القاموس. ولا يتوقف حسيني عند حدود اللغة وثقافتها، بل يوسّع الدائرة إلى الأساطير والفنون والطب الشعبي وحتى النظام الصحي المعاصر. ولا يتوقف حسيني عند حدود اللغة، بل يملأ رواياته بإشارات ثقافية متشابكة: من الشاهنامة إلى الأغاني الشعبية إلى طقوس الزواج الأفغاني بأسمائها الأصلية، إنها ليست معلومات عابرة، بل محاولة لإبقاء القارئ في قلب الثقافة الأفغانية، حيث التفاصيل الصغيرة تعبّر عن عمق الهوية واستمرارية الذاكرة. ففي “عدّاء الطائرة الورقية”، ، يُعرّف حسيني القراء بأسماء جميع مراسم الزفاف في أفغانستان، من خلال زواج أمير: hastegari"خاستغاري" وتعني الخاطب، و Lafz "لفظ" وتعني مراسم "إعطاء الكلمة"، و Shirini-Khori "شيريني خوري" (مراسم تناول الحلويات) وتعني حفل الخطوبة، وnika"النكاح" وتعني مراسم القسم، وawroussi"العروسي" وتعني مراسم الزفاف، وYena Massaf"ينا مساف" وتعني مراسم تقديم مرآة للعروسين وتغطية رأسيهما بحجاب، ثم ينظر كل منهما إلى انعكاس صورته. وهكذا، يتعرف القارئ على أسماء جميع مراحل الزواج في الثقافة الأفغانية. وهو بذلك لا يقدم معلومة ثقافية فقط، بل يشرك القارئ في سلسلة طقوس متوارثة، تجعل الشخصية أكثر قرباً، وتجعل الوطن—المفقود—أقرب إلى الذاكرة. وأحيانا يلجأ حسينى إلى الشرح والتفسير بعبارة توضيحية تُلحق بالنص، وقد تكون كلمة أو جملة أو عبارة تُوضّح معنى الكلمة غير الإنجليزية. فنجد كلمات مثل : "an inqilab, a revolution" (ص 101-102)، "Didi? You see?" (ص 6)، "Chup ko. Shut up." (ص 89). و تلفت المترجمة الإيطالية ،إيزابيلا فاي، -التي نقلت أعمال حسيني إلى الإيطالية- , النظر إلى نقطة مهمة حين تقول، أن كلمات مثل naan لا يمكن ترجمتها دون فقدان روحها فهى تنقل عالماً كاملاً لا يمكن أن تنقله كلمة bread. فالكلمة تحمل معها لون الخبز ورائحته ودفء الطفولة، ولا يمكن لكلمة “bread” أن تنقل ذلك العالم. وهذه الملاحظة تنسجم مع الطريقة التي يكتب بها حسيني، حيث تُصبح اللغة جزءاً من المادة الحية للرواية، لا مجرد وسيلة سرد .وهذا التعليق يضيء البعد الأعمق لتوظيف اللغة: إنها ليست مجرّد مفردات، بل أجزاء من الذاكرة والطفولة والحنين. ومن التقنيات اللافتة التي يستخدمها حسيني “التضمين المتأخر”. فمثلاً، يكرر كلمة harami مراراً قبل أن يشرح معناها. وكأنه يريد للقارئ أن يشعر بوقعها نفسياً قبل أن يفهمها لغوياً. فإستخدام تقنية "التضمين" بجانب التناوب المباشر يمنح الكلمة حياة خاصة، ويجعلها جزءاً من الهوية الثقافية في النص،فيشرح الكلمة الأجنبية داخل النص، لكنه يمارسها بحس فني؛ فيترك الكلمة غريبة أولاً ليشعر القارئ بغرابتها، ثم يشرحها لاحقاً كما فعل مع كلمة harami، التي يتذوق القارئ قسوتها قبل أن يعرف معناها.وتجدر الإشارة هنا إلى أن حدة هذه الكلمة في مجتمع شرقي كأفغانستان قد لا تكون مماثلة لتلك الموجودة في معظم المجتمعات الأوروبية والأمريكية. لأنه، يختلف استخدام كلمة "حرامي" اختلافًا كبيرًا عن نظائرها في اللغة الإنجليزية الفصحى، مثل كلمة "لقيط" والتعبيرات الملطفة مثل "طفل غير شرعي"، إذ ينطوي على خلفية ثقافية/دينية واسعة متأصلة في الأعراف والمعتقدات الاجتماعية. علاوة على ذلك، قد يُضفى الشرعية على الطفل المولود خارج إطار الزواج، ففي معظم المجتمعات الغربية وفى الولايات المتحدة على سبيل المثال، إذا قرر الزوجان تسجيل علاقتهما حتى بعد ولادة الطفل؛ ولكن في مجتمعات مثل المجتمع الأفغانى ، لا يُقبل ذلك عمومًا. وتعكس لغة حسينى أحياناً بنية الثقافة الفارسية ذاتها في التعبير، كما في وصفه للحمل بعبارة “بدأ بطنها ينتفخ” her belly began to swallow التي تبدو أقرب إلى التعبير الشعبي في أفغانستان، وتحمِل دلالة اجتماعية تتجاوز حدود الوصف الطبي العادي. كما يظهر المزج التركيبي بين اللغات في جمع كلمات فارسية أو بشتوية بقواعد إنجليزية، مثل haramis وchapans، في مثال يدل على اندماج حقيقي بين نظامين لغويين يتجاوران في نص واحد. من الأمثله الأخرى التى وضعها حسينى كما هى بلغته الأم، كلمة Jinn"جن" (ص 3) كلمةٌ خاصة بثقافة الكاتبة، ولها مفهوم مختلف تمامًا في جنوب آسيا مقارنةً بمعانيها في المجتمعات الناطقة بالإنجليزية. يُنظر إلى الجن، في دول جنوب آسيا، على أنه قوة خفية تستحوذ على الفرد وتجعله يطيع أوامرها، كما حدث مع والدة مريم، نانا، التي انتحرت. عبّرت نانا عن مخاوفها حتى قبل إقدامها على هذا الفعل اليائس قائلةً: "سأموت إن رحلتَ. سيأتي الجن وسأصاب بنوبة. سترى، سأبتلع لساني وأموت" (ص 26). تنبع هذه الحالة الذهنية من رؤية شاملة للعالم ونظام عقائدي متكامل ... لذا، بالنسبة لمعظم القراء الغربيين (وكذلك بالنسبة لكثير من المتعلمين حتى في أفغانستان)، يُعدّ الإيمان بمثل هذه الكائنات الخارقة للطبيعة ضربًا من الخرافة. ولعل هذا هو السبب في استخدام حسيني لهذه الكلمة بدلًا من كلمات مثل "شبح" أو "ساحرة" أو "جنية". وكذلك حين يكتب حسيني مثلا، "لقد كتب أحدهم ثلاث كلمات بأحرف سوداء كبيرة: zenda baad Taliban زند آباد طالبان! عاشت طالبان!" (ص ٢٤٦). يريد الكاتب أن يرى القراء البيان كما هو مكتوب - بلغة غير الإنجليزية، لا يقدم ترجمة مباشرة فحسب، بل يسمح للقارئ بأن يقرأ الشعار كما كُتب على الجدران، وأن يسمع صدى العبارة في الواقع السياسي الأفغاني. وحين يدخل عبارات مثل salaam أو Bismillah-e-rahman-e-rahim داخل جملة إنجليزية، فإنه لا يضيف مفردة جديدة، بل يضيف إيقاعاً جديداً، وإحساساً خاصاً لا يمكن للترجمة أن تحمله.بنفس الدقه والشعور. ومن أكثر النقاط إثارة أن حسيني لا يستخدم التناوب اللغوي فقط ليعرّف القارئ على الثقافة الأفغانية، بل ليجعله يعيشها. فحين يصف الطعام، يترك أسماؤه الأصلية كما هي: halwa، daal، kofta، sabzi. ليست المسألة هنا أن الإنجليزي يفتقر للمفردة المناسبة، بل لأن هذه المفردات محمّلة بذاكرة جمعية لا تستطيع اللغة الإنجليزية نقلها. يشبه الأمر أن تُترجم “مجدرة” إلى “lentils and rice”؛ قد يتطابق المعنى، لكن الطعم بنكهته الأصليه قد يضيع. ويظهرعمق الأسلوب أكثر حين نلاحظ أن حسيني لا يكتفي بذكر المفردات، بل يشحنها بالبعد الحسي: رائحة الخبز من “التنور”، صرير أبواب البيوت الطينية، صوت الباعة في الأسواق، ودفء الجلسات حول korsi في ليالي Yelda. كلّها تفاصيل صغيرة تُقدّم للقارئ عالماً كاملاً دون أن يفقد لغته وأصالته. معظم أمثلة التبديل اللغوي في الرواية تنتمي إلى التبديل اللغوي بين الجمل، والذي يحدث على مستوى الجملة أو العبارة، مؤكدًا قواعد اللغتين اللتان يتم التناوب بينهما . فعلى سبيل المثال، بدلًا من الاكتفاء بترجمة أغنية وطنية، يُفضّل الكاتب التبديل اللغوي، فيُقدّم أبياتًا من الأغنية الأفغانية Ustad Awal Mir’s Pashto song " Da ze ma ziba watan, da ze ma dada watan". This is our beautiful land, this is our beloved land. هذه أرضنا الجميلة، هذه أرضنا الحبيبة. (ص 151). إن اختيار الكاتب المتعمد لاستخدام البيت الشعري بصيغته الأصلية، بدلًا من تكييفه مع الإنجليزية، يُعد جزءًا من موقفه السياسي والثقافي في الرواية، مُلبيًا بذلك ميوله الفطرية نحو ثقافته، والتي قد لا يجد لها تعبيرًا مُرضيًا في أي لغة أخرى. نجح حسيني في خلق نصوص تمنح القارئ إحساساً مضاعفاً: إحساساً بالألفة والإنسانية المشتركة، وإحساساً بالغربة التي لا يمكن اختزالها أو تذويبها. فرغم اختلاف الثقافات، يشعر القارئ أنه يشمّ رائحة الكباب، ويتذوق الرمان، ويجول في الأزقة الترابية، ويسمع صدى الأذان ينعكس على الجبال. إنّ التناوب اللغوي في أعمال حسيني ليس تقنية لغوية فحسب، بل هو شهادة على أن الهوية أكثر تعقيداً من لغة واحدة، وأن الأدب قادر على الجمع بين عالمين دون أن يمحو أحدهما الآخر. هذه القدرة على أن يكون النص “مألوفاً وغريباً في آن واحد” هي سر انتشار أعمال حسيني عالمياً، وسر تأثيرها في القرّاء مهما اختلفت خلفياتهم. فهو يكتب عن عالم محدد جداً، لكنه يلامس أعمق ما في الإنسان من مشاعر مشتركة، ويثبت أن الأدب يستطيع أن ينقل القارئ من بقعة صغيرة من العالم إلى فضاء رحب، دون أن يفقد تلك البقعة خصوصيتها وتفرّدها. برع خالد حسيني فى صُنع عالماً روائيا بلغتين دون أن يفقد النص روحه، قد يكون النجاح الأكبر لحسيني هو قدرته على خلق نص يحمل تناقضين: فهو غريب عن القارئ بقدر ما هو قريب منه. غريب في لغته، قريب في مشاعره. يضع القارئ في عالم لم يعشه، لكنه يشعر بأنه يعرفه. ويجعله يشمّ رائحة الكباب، يسمع الأذان، يلمس الغبار الذي يعلو الشوارع، ويكاد يلمس الخوف في عيون الشخصيات حين تحلّ الحرب. إنه أدب يمسك القارئ من قلبه قبل عقله. وفي النهاية، يمكن القول إن التناوب اللغوي في روايات حسيني ليس مجرد تقنية أدبية، بل هو إعلان عن هوية لا تريد أن تُمحى. هو طريقة الكاتب في القول: “هذه لغتي أيضاً، وهذا عالمي أيضاً، ولا يمكن للأدب أن يكون عالماً واحداً بل عوالم متعددة.” بهذه الرؤية، يثبت خالد حسيني أن الأدب العابر للثقافات قادر على أن يكون جسراً إنسانياً، لا يعترف بالحدود ولا يخشى الاختلاف، بل يحتفي به، ويمنحه صوتاً ومساحة وذاكرة لا تُنسى. وبهذا يحمل التناوب اللغوي في الأدب والرواية جماليات خاصة تتجاوز حدود اللغة لتصل إلى حدود التجربة الإنسانية ذاتها. فعندما تتجاور لغتان في النص، ينشأ إيقاع جديد، تتداخل فيه الأصوات والثقافات وتتشابك الذاكرتان في نَفَسٍ واحد. تبدو الكلمة الأجنبية في الجملة كلمسة لون مختلفة على لوحة مكتملة، لا تشوّهها بل تمنحها عمقاً وجاذبية. ويتيح هذا التداخل للقارئ فرصة الإصغاء إلى موسيقى ثقافة أخرى دون أن يغادر لغته، فيتعرّف على العالم كما يراه أهلُه لا كما تُقدّمه الترجمة الحرفية. ومن خلال هذا المزج، يصبح التناوب اللغوي تقنية فنية تخلق حميمية خاصة، وتُبرز توتر الشخصيات بين أكثر من انتماء، وتضفي على النص ثراءً دلالياً لا يتحقق بلغة واحدة. إنه جمال ينبع من تلك المساحة الرفيعة التي تلتقي فيها اللغات، ويتحوّل فيها الأدب إلى جسر حي بين العوالم والثقافات المختلفة.

منشورة بجريدة القاهرة