
سواء كنت تشتاق إلى أيام الطفولة الخالية من الهموم، أو تشعر بالحرج حين تتذكر القصائد المراهقة التي كتبتها يومًا، فإننا جميعًا نستحضررحلة النضج التي مررنا بها. سنوات الفوضى تلك، المليئة بالوجع والفرح واكتشاف الذات، راسخة في ذاكرتنا — لذا لا عجب أن توجد "فئة أدبية" كاملة مكرّسة لاستكشافها. هذه الفئة هي رواية "التكوين"، أو رواية "التشكيل" وأحيانا تُعرف ب"رواية التربية" المعروفة باسم Bildungsroman وترتبط بقصص «الانتقال إلى مرحلة النضج» أو coming-of-age؟ لنعد عقارب الزمن إلى الوراء ونغوص في هذا اللون الأدبي. كلمة Bildungsroman بالألمانية تعني «رواية التكوين» أو «رواية التربية»، يُقال إن اللغوي يوهان مورغنسترن صاغه عام 1819 بعد أن انتقده أحد أساتذته السابقين، قائلًا إن كتاباته أصبحت أكثر غرورًا ورتابة كلما بالغ في التأمل في الفن والأدب والفلسفة. ومن اللافت أن هذا الانتقاد يشبه إلى حد بعيد ما يُوجّه أحيانًا لروايات "التكوين" بأنها «مفرطة في الذاتية» — في حين أن الروايات المبكرة من هذا النوع غالبًا ما كانت تختتم بنهاية سعيدة، فإن القرن 20و ال21 شرين شهدا نهايات أكثر قتامة — كالإحباط أو الاستسلام أو حتى الموت. "رواية التكوين" هى قصة تتبع النمو الأخلاقي والنفسي للبطل. التغيير هو جوهر هذا النوع الأدبى؛ فكلما مر الوقت، يتحول البطل — الذي يبدأ عادةً ساذجًا — إلى شخص أكثر نضجًا من الناحية العاطفية أو النفسية أو الروحية. ولا تقتصر رواية الـ Bildungsroman على مرافقة بطلها من الطفولة إلى البلوغ، بل تسلّط الضوء على الدروس الحياتية التي يتعلمها أثناء احتكاكه بالعالم من حوله، فكثيرًا ما تبدأ الرواية بصراع يواجهه البطل: خسارة شخصية في طفولته مثلًا، أو شعور بالخيبة تجاه المجتمع. يتتبع السرد بعدها رحلته الشاقة — جسديًا أو نفسيًا — بينما يواجه أسئلة أخلاقية ويكتسب تجارب حياتية مهمة، ليصل في النهاية، بعد مشقة، إلى فهم أعمق لذاته ومكانه في المجتمع. وعند الخاتمة، يكون قد تغيّر جذريًا مقارنةً ببداية القصة. العديد من الأمثلة الكلاسيكية لهذا النوع — مثل Emma لجين أوستن أو David Copperfield لتشارلز ديكنز — تحمل اسم البطل في العنوان، إشارة إلى أن الرواية تتمحور بالكامل حول الشخصية ورحلتها. تُعد رواية غوته Wilhelm Meister’s Apprenticeship1795 هي أول عمل مهّد لظهور هذا النوع. وعندما تُرجمت الرواية إلى الإنجليزية عام 1824، حازت شعبية واسعة، ويُرجح أنها أثّرت في كتّاب بريطانيين مثل تشارلز ديكنز وشارلوت برونتى. الروايتان الشهيرتان لنموذج رواية "التكوين" أو "التشكيل" هما To Kill a Mockingbird (1960) لهاربر لي. ورواية The Kite Runner (2003) لخالد حسيني. ثم تأتى الرواية الأشهر A Portrait of the Artist as a Young Man (1916) لجيمس جويس: مثال على نوع فرعي هو Künstlerroman ، يتتبع فيه جويس نضج «ستيفن ديدالوس» بينما يواجه القيود الدينية والاجتماعية في أيرلندا. وغالبًا ما يكون ختام الـ Künstlerroman مختلفًا، إذ يميل البطل إلى رفض المجتمع بدل الانسجام معه. ثم يأتى السؤال التالى طارحا نفسه، ما الفرق بين الـ Bildungsroman وقصة الـ Coming-of-Age؟ غالبًا ما يُستخدم المصطلحان بشكل مترادف، لكن الـ Bildungsroman نوع خاص داخل مجموعة أوسع من قصص الانتقال إلى النضج. فهو يخضع لبنية محددة ويعتمد نمطًا معينًا من السرد، بينما مصطلح coming-of-age أشمل، يشمل كل الحكايات التي تتناول نضج شخصية شابة حتى لو لم تلتزم بالقالب التقليدي للـ Bildungsroman. . بمعنى آخر: كل رواية Bildungsroman هي قصة Coming-of-Age، لكن ليست كل قصة Coming-of-Age رواية Bildungsroman. تتبع روايات الـ coming-of-age تطور البطل الشاب أثناء اكتشافه العالم وهويته، حتى يصل في النهاية إلى فهم أعمق لذاته ومساره. ولأن المصطلح واسع، فإنه يشمل طيفًا كبيرًا من الأعمال — من الروايات المصوّرة إلى الخيال التخميني، ومن السير الذاتية إلى المذكرات. ومن أشهر الأمثلة لهذا النوع Little Women (1868–69) للويزا ماي ألكوت. ورواية The Giver (1993) للويس لوري. تستمد رواية "التكوين" قوتها من سياقها الاجتماعي. فهي ليست حكاية فردية فحسب. إنها تعكس أيضا الأسئلة التي يطرحها المجتمع عن النجاح والأخلاق والحرية والنضج. فالروايات الأوروبية في القرن التاسع عشر تربط النضج في الغالب بالاستقلال الاقتصادي والانضباط الأخلاقي. أما الروايات في سياقات القرن العشرين، خصوصا في الأدب ما بعد الاستعماري أو الأدب الصادر عن جماعات مهمشة، فتبرز صعوبة بناء الهوية في مجتمعات تقيّد حرية الفرد. يتكيف هذا الشكل مع كل سياق، لكنه يحافظ على اهتمامه الجوهري بعملية التكوين. في النهاية يصل البطل عادة إلى وعي أوضح بذاته وبغايته. وقد تتخذ هذه النهاية أشكالا متعددة. بعض الروايات تُختتم بالمصالحة بين الفرد والمجتمع، بينما يكتفي بعضها الآخر بحل جزئي يشير إلى أن الهوية عملية لا تنتهي. في الحالتين تمنح الخاتمة نظرة على ما تعلّمه البطل وما يسمح به العالم من حوله. ما زالت رواية "التكوين" مؤثرة لأنها تتناول رحلة البحث عن الهوية، وهي رحلة إنسانية عامة. يجد القارئ نفسه في حيرة البطل وآماله ورغبته في فهم ذاته. يدعو هذا الشكل الأدبي إلى التفكير في كيفية نمو الإنسان وما يتطلبه ذلك النمو. كما يطرح سؤالا أعمق: إلى أي حد يشكّل الفرد عالمه، وإلى أي حد يشكّله العالم؟ من خلال هذا التأمل تظل رواية التكوين نافذة صافية على التجربة الفردية والقيم الجماعية على حد سواء.
منشورة بجريدة القاهرة