
بعد سنواتٍ طويلة من الغياب القسري، عادت طيور الفلامنجو لتحلّق فوق مياه بحيرة قارون بمحافظة الفيوم، في مشهدٍ لم يكن متوقعًا قبل أعوام قليلة، لكنه اليوم يحمل دلالات بيئية عميقة تتجاوز جمال الصورة إلى جوهر التحوّل الذي تشهده البحيرة.عادت بحيرة قارون تستقبل أسراب الفلامنجو من جديد. لطالما كانت بحيرة قارون محطةً رئيسية للطيور المهاجرة، وعلى رأسها، طائر الفلامنجو الذي يتخذ من البيئات المائية الغنية غذائيًا موطنًا مؤقتًا خلال رحلاته الموسمية. غير أن عقودًا من التلوث، وارتفاع نسب الملوحة، والصرف الصناعي والزراعي غير المعالج، دفعت بالكائنات الحية – وعلى رأسها الطيور – إلى هجر البحيرة، في مؤشر خطير على اختلال التوازن البيئي. لم يكن ظهور الفلامنجو فوق مياه بحيرة قارون مجرد مشهد جمالي عابر، بل بيانًا بيئيًا صامتًا يعلن أن الطبيعة بدأت تسترد حقها في الحياة. فبعد سنوات من التلوث والتراجع، تعود الطيور الوردية إلى واحد من أقدم المسطحات المائية في مصر، حاملة معها دليلًا حيًا على أن البحيرة دخلت مرحلة جديدة من التعافي، وأن ما بُذل من جهود لإصلاحها لم يذهب سدى. الغياب الذي امتد لسنوات فرضه تدهور بيئي طال أحد أقدم المسطحات المائية الطبيعية في مصر، على مدارعقود، عانت بحيرة قارون من ضغوط بيئية متراكمة، أبرزها تصريف المياه غير المعالجة، وارتفاع معدلات الملوحة، وتراجع التنوع البيولوجي، مما أدى إلى اختفاء العديد من الكائنات الحية والطيور المهاجرة. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحركًا جادًا من الدولة لإعادة إحياء البحيرة، عبر خطة متكاملة شملت تطويرمنظومة الصرف الصحي، وإنشاء محطات معالجة، وتكريك الممرات المائية، وإعادة ضخ الزريعة السمكية لإحياء التوازن البيولوجي. وإستهدفت هذه الخطة تحسين البنية التحتية،فتم إنشاء 8 محطات لمعالجة الصرف الصحي مما رفع تغطية الصرف الصحي من 12% إلى أكثر من 85%، للحد من مصادر التلوث المباشربالإضافة إلى التدخلات الهندسية مثل تكريك بحر يوسف لتحسين تدفق المياه ومنع ركودها.، إلى جانب إحياء الحياة البيولوجية من خلال إطلاق زريعة أمهات سمك موسى وزريعة الجمبري لإعادة بناء السلسلة الغذائية. وقد أسهمت هذه الإجراءات في تحسين جودة المياه تدريجيًا، وتهيئة بيئة ملائمة لعودة الكائنات الدقيقة والأسماك، التي تمثل الغذاء الأساسي للطيور المهاجرة، وعلى رأسها الفلامنجو. خبراء البيئة يؤكدون أن الفلامنجو يُعدّ «مؤشرًا حيويًا» لصحة النظم البيئية، وأن ظهوره مجددًا يعني تحسن السلسلة الغذائية داخل البحيرة، وبدء عودة التوازن الطبيعي تدريجيًا. إلا أنهم يحذرون في الوقت ذاته من أن هذا التحسن لا يزال هشًا، ويتطلب استمرار الرقابة البيئية، ومنع أي ممارسات قد تعيد البحيرة إلى دائرة التدهور. يؤكد خبراء البيئة أن الفلامنجو يُعد من أكثر الطيور حساسية للتغيرات البيئية، ولا يستقر إلا في البيئات التي تتوافر فيها شروط دقيقة من حيث نقاء المياه، وتوازن الملوحة، ووفرة الغذاء، ما يجعل ظهوره مؤشرًا موثوقًا على تحسن النظام البيئي وعودة السلسلة الغذائية إلى مسارها الطبيعي عوده الفلامنجو دليلًا ملموسًا على نجاح سياسات الإصلاح البيئي، ورسالة طمأنة بأن البحيرة تسير في الاتجاه الصحيح. فالطيور المهاجرة لا تخطئ اختيار مواطنها، وعودتها تعني أن البيئة أصبحت قادرة على دعم الحياة من جديد. ولا تكمن أهمية هذه العودة في بعدها البيئي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وسياحية وثقافية، فهى تفتح آفاقًا واسعة أمام السياحة البيئية، فمشاهد أسراب الفلامنجو الوردي تجذب هواة مراقبة الطيورومقصد لعشاق الطبيعة والمصورين المهتمين بالتصوير البيئى والباحثين، وتفتح آفاقًا جديدة للسياحة البيئية المستدامة في الفيوم، مما يعزز فرص العمل ويحافظ في الوقت نفسه على الموارد الطبيعية. بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل لأبناء المنطقة، في إطار تنمية مستدامة تحترم الطبيعة ولا تستنزفها. اليوم، تأتي عودة الفلامنجو كرسالة واضحة بأن البحيرة بدأت تستعيد عافيتها وتوازنها البيئى. فقد أسهمت جهود الدولة خلال السنوات الأخيرة في الحد من مصادر التلوث، ومعالجة مياه الصرف، وتنفيذ مشروعات لإعادة تأهيل النظام البيئي، ما انعكس تدريجيًا على جودة المياه وتوافر الغذاء الطبيعي اللازم للطيور والأسماك. إن عودة الفلامنجو إلى بحيرة قارون تتجاوز حدود الخبر البيئي، لتصبح قصة أمل تؤكد أن الطبيعة قادرة على التعافي حين تتوافر الإرادة والرؤية العلمية. وهي دعوة صريحة إلى مواصلة حماية البحيرة، وعدم التفريط في ما تحقق، حتى تظل قارون نموذجًا حيًا على أن التوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة ليس حلمًا بعيد المنال، بل واقعًا يمكن صناعته.

منشورة بجريدة القاهرة