
تُعدّ "البوليفونية" Polyphony أو "تعدّد الأصوات"، من أبرز المفاهيم النقدية التي أسهمت في إعادة تشكيل بنية الرواية الحديثة، إذ كشفت عن آفاقٍ جديدة في بناء النص السردي، وأعادت النظر في طبيعة العلاقة بين الكاتب وشخصياته والمتلقي. وقد ارتبط هذا المفهوم بالمفكر الروسي ميخائيل باختين، الذي لم يتعامل معه بوصفه مجرد تقنية فنية، بل باعتباره رؤية فلسفية وجمالية تتعلق بفهم الإنسان والعالم، وبكيفية تجسيد الوعي الإنساني داخل العمل الأدبي. تقوم "البوليفونية" على مبدأ التعدّد المتكافئ للأصوات داخل النص الروائي، بحيث لا يحتكر الراوي أو المؤلف سلطة السرد، بل تتجاور الأصوات وتتفاعل بحرية، فتعبّر كل شخصية عن رؤيتها الفكرية وموقفها من الوجود في حوار مفتوح لا يقصي أحدًا. فالرواية البوليفونية لا تقدّم وعياً واحداً أو حقيقة مطلقة، بل تُجسّد شبكةً من الوعيّات المتباينة التي تتفاعل فيما بينها دون أن تنصهر في سلطة صوتٍ مركزيّ. بهذا المعنى، تشكّل البوليفونية تمرّدًا على النزعة الأحادية أو "المونولوجية" التي وسمت السرد التقليدي. وقد رأى باختين في أعمال فيودور دوستويفسكي النموذج الأسمى لهذا النمط من الكتابة. ففي رواياته الكبرى، مثل" الأخوة كارامازوف"و"الجريمة والعقاب"، لا يفرض المؤلف حضوره على النص، بل يمنح شخصياته حرية التعبير عن ذواتها وأفكارها الأخلاقية والفكرية، دون أن يُصدر عليها أحكاماً نهائية. فكل شخصية تمتلك وعيها المستقل، وتدخل في حوارٍ مفتوح مع غيرها، مما يجعل الرواية فضاءً جدليًّا غنيًا بالتفاعل الإنساني والفكري. ولا تقتصر "البوليفونية "على تنويع الأصوات أو تعدّد وجهات النظر، بل تمثل بنية فكرية متكاملة تقوم على الإقرار بوجود الآخر والاعتراف بشرعيته. فالرواية في هذا السياق لا تتحول إلى منبرٍ للإملاء الأيديولوجي، بل إلى مجالٍ للحوار الحر بين العقول. إنها مرآة لواقعٍ متعدد الطبقات تتقاطع فيه المواقف والرؤى، ويصبح القارئ بدوره مشاركاً في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍّ سلبيّ لما يقوله الراوي. ومن السمات المميزة لهذا النمط من السرد أنّه يذيب الحدود بين الراوي والشخصيات، ويقلل من سلطة السارد العليم، مانحًا الأصوات الأخرى دورًا فعّالًا في توجيه الأحداث وتشكيل الحكاية. كما تتخذ اللغة في الرواية البوليفونية طابعاً حوارياً مميزًا، حيث تتفاعل الأساليب والخطابات داخل النص، فتتجاور لغة المثقف مع لغة العامة، وخطاب الدين مع السياسة، ونبرة السخرية مع الجِدّ، مما يخلق نسيجًا لغويًا متعدّد المستويات يعكس تنوّع المجتمع وتناقضاته. ولا تنحصر أهمية البوليفونية في بعدها الجمالي فحسب، بل تمتد إلى بعدها الإنساني والفكري، فهي تعبّر عن رؤية للعالم تؤمن بتعدد الحقيقة وتنوّع التجربة الإنسانية. إنها دعوة إلى الإصغاء المتبادل والتسامح الفكري، في مواجهة الصوت الواحد الذي يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. ومن هنا اكتسبت البوليفونية موقعًا مميزًا في النقد الأدبي الحديث، لتقاطعها مع قضايا الهوية والحرية والاختلاف. وفي الأدب العربي، ظهرت تجلّيات الوعي البوليفوني في أعمال عدد من الروائيين البارزين، وإن لم يستخدموا المصطلح ذاته. ففي روايات نجيب محفوظ، ولا سيما "الثلاثية" و"أولاد حارتنا"، تتعدد الأصوات الفكرية والاجتماعية التي تمثل شرائح وطبقات مختلفة من المجتمع، دون أن يتدخل المؤلف بوصايةٍ أخلاقية أو فكرية. وكذلك نجد عند عبد الرحمن منيف في "مدن الملح" تعددًا صوتيًا يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي، وصراع القيم بين التقليد والحداثة. كما تتجلى النزعة الحوارية في روايات إلياس خوري وغسان كنفاني والطيب صالح، حيث تتقاطع الأصوات والرؤى ضمن بناءٍ سرديّ متشابك يعبّر عن تعدد الوعي الجمعي. تغلبت الرواية البولوفونية على الصوت الأحادى بل جعلت من السرد حوار دائم بين أصوات مختلفة ومتعارضة، لكلٍّ منها استقلاليته ووجهة نظره الخاص به. بهذا المعنى، تتحول الرواية إلى ساحة جدل فكري وأخلاقي تتقاطع فيها الأفكار، ولا يُقدَّم فيها أي صوت بوصفه الحقيقة المطلقة. إنّ الرواية البوليفونية تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه كائنًا ناطقًا وواعياً، يمتلك صوته الخاص وحقه في الوجود داخل النص. فهي تفتح الأدب على العالم، وتمنحه بعدًا معرفيًا يتجاوز حدود التسلية أو التوجيه، لتغدو الرواية فضاءً للتأمل في التنوع الإنساني ذاته. ومن ثمّ، فإنّ "البوليفونية" تمثّل علامة على نضج الفن الروائي، لأنها تعبّر عن وعي مركب بالذات وبالآخر وبالواقع في آنٍ واحد. وخلاصة القول إنّ البوليفونية ليست مجرد تقنيةٍ سردية، بل رؤية إنسانية قائمة على الحوار والتفاعل. فهي تجسّد وعي الإنسان بحدود ذاته وحاجته إلى الآخر، وتحوّل الرواية إلى ساحة للأسئلة لا للإجابات الجاهزة، وإلى مساحةٍ يتعايش فيها تعدّد الحقائق الممكنة. وبهذا المعنى، تظلّ البوليفونية أحد الأعمدة الكبرى التي منحت الرواية المعاصرة عمقها الإنساني وثراءها الفكري، ورسّخت مكانتها كفنّ قادر على احتضان تناقضات الوجود البشري في أبهى صورها.
منشورة بجريدة القاهرة