
يُعَدُّ مفهوم الكرونوتوب Chrnotope، المشتقّ من الكلمتين الإغريقيتين كرونوس (الزمن) وتوبوس (المكان)، واحداً من أهم المفاهيم الجمالية والفنية في النقد الأدبي الحديث. وقد أطلق هذا المصطلح الفيلسوف والمنظّر الأدبي الروسي ميخائيل باختين (1895–1975)، الذي نظر إلى الزمان والمكان لا بوصفهما كيانين منفصلين، بل باعتبارهما بُعدين متداخلين يُسهمان معاً في تشكيل بنية العمل الأدبي ودلالاته العميقة. استخدم باختين المصطلح لوصف الكيفية التي تُعبَّر بها العلاقات الزمانية والمكانية في الأدب . ويرى باختين أن الزمان والمكان مرتبطان ارتباطًا لا ينفصل داخل السرد الأدبي. الكرونوتوب (Chronotope في الأدب يعني ببساطة “العلاقة بين الزمان والمكان داخل العمل الأدبى”. أي كيف يجتمع “الوقت” و”المكان” ليشكّلا الإطار الذي تجري فيه الأحداث وتتحرك فيه الشخصيات. فمثلًا، الزمان والمكان في رواية تدور في مدينة صغيرة خلال الحرب يختلف تمامًا عن الزمان والمكان في قصة تقع في المستقبل على كوكب آخر. الكرونوتوب لا يحدد فقط موقع الأحداث، بل يؤثر في طريقة تفكير الشخصيات، وسرعة تطور القصة، وحتى في المعنى العام للعمل. ف”الكرونوتوب” هو بمثابة النسيج الذي تُنسج فيه القصة بين الزمان والمكان بحيث يصبحان جزءًا من المعنى نفسه ويحملان وزنا مع الكاتب فى إيصال المغزى والمعنى والرمز. تخيّل رواية تجري أحداثها في قرية صغيرة معزولة في أوائل القرن العشرين. الزمان هنا (بداية القرن العشرين) والمكان (القرية الصغيرة) يخلقان جوًا محددًا: الناس يعيشون ببساطة، التواصل محدود، والعادات والتقاليد تحكم حياتهم. هذا الكرونوتوب يجعل القصة تدور حول الجمود، البطء، والتمسّك بالماضي. الآن، لو كتبنا نفس القصة ولكن جعلناها تدور في مدينة حديثة في زمن الإنترنت، سيتغيّر كل شيء: العلاقات ستكون أسرع، الأحداث أكثر تشابكًا، والشخصيات أكثر انفتاحًا. الزمان والمكان الجديدان يغيّران المعنى وطبيعة التجربة تمامًا. إذن، الكرونوتوب ليس مجرد “خلفية” للأحداث، بل هو القالب الذي يشكّل العالم الروائي ويمنحه نَفَسَه الخاص. ويقترح باختين في مقاله "أشكال الزمان والكرونوتوب في الرواية" “Forms of Time and Chronotope in the Novel”, ، أن “...الكرونوتوب الأدبي الفني، تتداخل فيه المؤشرات المكانية والزمانية لتشكّل كُلًّا متماسكًا ومحددًا بعناية. فالزمن — إن صحّ التعبير — يزداد كثافة ويتجسّد ويغدو منظورًا إليه فنّيًا؛ وكذلك المكان يصبح مشحونًا ومتفاعلًا مع حركة الزمن والحبكة والتاريخ. إن هذا التداخل بين المحاور، وانصهار الدلالات، هو ما يميّز الكرونوتوب الفني The Dialogic Imagination1981 وفي مقال "السمات الأدبية والوظيفية للكرونوتوب"، عرفت الباحثاتان “تورايفا الدينوفنا”ومدالييف غينوفيتش” الكرونوتوب بوصفه أداة فنية وجمالية تنظّم بنية العمل الأدبي وسرده وشخصياته، وتعكس في الوقت ذاته رؤية الكاتب الفكرية والفلسفية للعالم. يُمثّل الكرونوتوب Chronotope البنية الجوهرية للعمل الإبداعي، فهو الإطار الذي يُعيد من خلاله الكاتب بناء العالم المتخيَّل، ويعبّر من خلاله عن الأبعاد الاجتماعية والروحية والوجدانية للوجود الإنساني. ومن خلال هذا التداخل بين الزمان والمكان، يتحوّل العمل الأدبي من مجرّد سرد للأحداث إلى رؤية فلسفية تُجسّد وعي الإنسان بالعالم وتعبّر عن علاقته بالكون والتاريخ والمجتمع. وتعد إسهامات مفكّرين ونقّاد كبار أمثال “باختين” Mikhail Bakhtin و”ليخاتشيف” Dmitry Likhachevو”خالِزِف” Viktor Khalizev وغيرهم ممّن أسهموا في بلورة مفهوم الزمان والمكان الفنيّين في الأدب. وأشارات الكثير من الدراسات إلى جوانب محدّدة من هذا المفهوم، غير أنّها لم تقدّم تحليلاً متكاملاً لوظائف الكرونوتوب وأشكاله في الرواية الحديثة، إن تتبّع الكيفية التي يتجسّد بها الزمان والمكان في العمل الفني، وكيف يسهم في بناء المعنى الجمالي والفلسفي للنص الأدبي، جعل الكرونوتوب Chronotope ليس مجرد عنصرا أدبيا فحسب، بل تجسيداً لوعي الإنسان بالعالم وجسرًا يصل بين الإبداع الفني والتأمل الفلسفي. ويمكن تصنيف الكرونوتوب Chronotopلسبعة أنماط أساسية تُعبّر كلٌّ منها عن بُعد من أبعاد الواقع الفني والإنساني: أولا: الكرونوتوب الواقعي: الذي يعكس الزمن التاريخي والمكان الجغرافي الحقيقي، مانحاً النصّ مصداقيّته وحيويّته. وثانيا الكرونوتوب الاجتماعي: الذي يصوّر العلاقة المتبادلة بين الفرد والمجتمع وتحولات الوعي الإنساني تحت ضغط التغيّرات التاريخية. ثم يأتى ثالثا الكرونوتوب النفسي: الذي يكشف العوالم الداخلية للشخصية عبر المونولوج الداخلي وتيار الوعي وحركة الشعور والذاكرة. ورابعا الكرونوتوب الوطني: الذي يجسّد الخصوصية الثقافية والروحية للأمة من خلال تقاليدها وقيمها الدينية والحضارية. يليه خامسا الكرونوتوب الفولكلوري: المستمد من الأسطورة والحكاية الشعبية والتراث الشفاهي، حيث تتداخل الأزمنة والأمكنة في بناءٍ أسطوري رمزيّ. ويليه الكرونوتوب الفانتازي: الذي يُبدع عوالمَ خيالية وسريالية تستشرف المستقبل أو تُحذّر من اختلال العلاقة بين الإنسان والتقنية. ثم يأتى كرونوتوب الذاكرة والحلم: الذي يذيب الحدود بين الماضي والحاضر والواقع والخيال، ليُبرز دور الذاكرة واللاوعي في تشكيل التجربة الإنسانية. ويمكن التعامل مع الكرونوتوب Chronotop على ثلاث مستويات، “الميكروكرونوتوب” الذي يعبّرعن التجربة الفردية الذاتية، و”الماكروكرونوتوب” الذي يتناول الأبعاد الاجتماعية والتاريخية، و”الميغاكرونوتوب” الذي يتّسع ليشمل البعد الكوني والوجودي. وتتفاعل هذه المستويات في النص الأدبي تفاعلاً دينامياً يعكس تعقيد الوجود الإنساني وتعدّد منظورات الزمن والمكان. كما تشيران إلى ما يسمّيانه بـ«شرطية الزمن والمكان الفنيين»، أي قدرة الكاتب على توسيع الزمن أو ضغطه أو عكسه بحسب مقاصده الإبداعية، وهو ما يمنح الكرونوتوب قوّته التعبيرية ومرونته الدلالية. ومن ثم يمكن النظر للكرونوتوب Chronotope على أنه مبدأ فلسفي وجمالي يوجّه بنية النص الأدبي ويكشف عن رؤية الكاتب للعالم. فتناغم الصورالمختلفة للكرونوتوب Chronotope بأنواعه الواقعي والنفسي والاجتماعي والوطني والفولكلوري والخيالي – يُنتج عنه وحدة فنية متكاملة تعبّر عن جوهر التجربة الإنسانية. ومن هنا جائت أهمية دراسة الكرونوتوب، التى تُتيح فهماً أعمق للعلاقة بين الفن والفكر والثقافة، وللكيفية التي يعيد بها الأدب صياغة الزمان والمكان بوصفهما تجسيداً للوعي الإنساني والذاكرة الجمعية. فنخلص أن الكرونوتوب، هو الصورة الكونية للخيال الإنساني، به يتجلّى تفاعل الفن مع الفلسفة، والذات مع العالم، والذاكرة مع الوجود، ومن خلاله يواصل الأدب الحديث تأمّله الدائم في العلاقة بين الفضاء الزمانى والفضاء المكانى وبين العلاقة الأبدية بين الماضي والحاضر، وبين الواقع والحلم، وبين الإنسان والكون.
منشورة بجريدة القاهرة