04 Jan
04Jan

نتأتي رواية "زهرة من حي الغجر"  للكاتب الكبيرالدكتور صلاح شعير الصادرة عن وكالة الصحافة العربية "ناشرون" 2025  لتضيء مساحة مظلمة في الأدب العربي، إذ تسلط الضوء على فئة اجتماعية مهمّشة طالما عانت من العزلة والرفض: الغجرأو ال  gypsiesويُعرفون شعبيًا أحيانًا باسم الغجرأوالنَور(بفتح النون) أوالحلب أو المطاريد بحسب المناطق  . الرواية لا تكتفي بوصف واقع قاسٍ، بل تجعل من بطلتها "زهرة" مرآة تعكس التوتر بين الجمال الإنساني والنبذ الاجتماعي. من خلال هذه الرواية، يحاول الكاتب أن يثير أسئلة وجودية حول معنى الانتماء، وحقيقة الحرية، ومصير الإنسان حين يُختزل إلى هويته الهامشية. تستحضر الرواية قضية إنسانية مهمشة بلغة متألمة وصادقة، قوتها تكمن في تصوير المأساة بأبعادها الرمزية والاجتماعية فاستطاع الكاتب بسلاسة شديدة أن يروى لنا رواية عصرية تتناول قضية نادر الحديث عنها  تدور أحداثها فى عصرنا الحالى وربطها بجذور تمتد مئات السنين إلى الوراء ألا وهى مناهضة الغجر  antigypsyism او معاداة الرومن anti-Romanyism ، وأحيانا تعرف برهاب الرومن  Romaphobia،  فالمشاعر المعادية للغجر قد تظهر فى شكل عداء اوتحامل،اوتمييزعنصرى، أو كراهية  طوائف معينة مثل (الرومن، والسنتي، والأيبيرية كالي، والويلزية كالي، والفنلندية كالي، والروما المسلمون، والرومنيشال). وغالبًا ما كان يُطلق اسم "الغجر"على المجموعات المتجولة غير الغجرية في أوروبا مثل الينيش والأيرلنديين والمسافرين في المرتفعات ونتيجة لذلك، كثيرا ما كان يُخلط بينهم وبين شعب الرومن. مما تسبب فى أن الإضطهاد الذى كان موجها في الأصل إلى شعب الرومن أصبح موجها أيضًا إلى مجموعات الرحالة الأخرى وأصبح يُشار إليه كثيرًا باسم "مناهضة الغجر".  تبدأ الرواية بداية مُبتكرة مُشوقة بضمير المتكلم " القلم الذكى" وهنا البدء جاء من الأحدث إلى الأقدم  بحوار يدور بين "الأقلام" القائمين بدور الراوى المشارك فى السرد. وأتت بأنواعها المختلفه على تطورها منذ نشأتها مُمثلين بذلك الماضى وجميعهم يبايعون " القلم الذكى" الذى يرمز إلى الحداثة وتكنولوجيا العصرونصبوه جميعا أميرا على الأقلام وأقسموا جميعهم على السمع والطاعة والتعاون معه فى قراءه روايتنا الأصلية " زهرة من حى الغجر"  ويبدأ كل قلم بالتحدث بضمير المتكلم،  مُقدما نفسه، بداية من "القلم المسمارى" الذى كان  يستخدم فى النقش على الأحجار " منذ ولادتى بمدينة سومر العراقية قبل الميلاد سنة 3500 قبل الميلاد وأنا فى شقاء مستمر ...فكم دق الإنسان فوق أم رأسى وتحملت قسوة الطرق من أجل تدوين التاريخ ... فإثبات الحقيقة يا ولدى مقترن بكل الأوجاع....والآن ...ألم الفراغ لا يقل عن ألم الدق فوق الرأس 6. وتلاه فى التعريف القلم العربى المصنوع من جريد النخيل والقلم الحبر معرفا نفسه " بصفتى ثانى قلم مصرى ظهر فى عالم الكتابة بعد " قلم الريشة" الفرعونى الذى ولد فى العصر الفاطمى عام 969 ميلادية ثم خاتما بالقلم الرصاص الذى طالما أدهشنى عدم فنائه الذى قال عن نفسه " ...صنعت فى إنجلترا عام 1564 ...ومن يومها وأنا عاطل كم تمنيت أن أعمل ولو قصف عمرى 8. بداية مُشوقه وتفاصيل للمعلومة فى قالب جذاب يشد انتباه القارئ وبه رمزية لتعاقب الأجيال التى سلمت جميعها فى النهاية  للتكنولوجيا والتطور وسلمت للأحدث " القلم الذكى" الذى يدون كل ما يجلب الأقلام الأخرى من حكايات ومعلومات وفك الألغاز التاريخية  ليقوم بتدوينها على الفورعلى الشبكة العنكبوتية. تبنت الرواية البنية السردية المزدوجة أو الهيكل السردي الثنائي The Dual Narrative Structure   والتى  تعنى أن  النص الروائي يوظّف روايتين متداخلتين بحيث كل واحدة تُروى داخل الأخرى. وهنا جاء الربط بين الحكايات التى يرويها قلم من الأقلام  مُفسرا ومُستزيدا من الأصول التاريخية لما يحدث فى الحكاية الأصلية. فيسرد لنا وهو الراوى العليم حكاية " زهرة" الشخصية المحورية والتى لا تمثل نفسها فقط، بل تجسد مصيرًا جميع نساء الغجر وللمهمشين عمومًا رسمها الكاتب بعاطفة واضحة وأبرز معاناتها فى طفولتها لبراءة مهدورة مما أثر على تركيبتها النفسية بقيه الخط الروائى فلقد حملت معها "تروما" طفولتها حتى تشكلت ونضجت ورغبت فى الأخذ بثأرها ممن جعلها هى أو غيرها يعانوا من التهميش والقسوة والإضطهاد والظلم. رُسمت شخصية زهرة بملامح نفسية دقيقة. فجمالها وعفتها يصبحان عبئًا عليها، لأنها تعيش وسط مجتمع يراها "غجرية" أولاً، وأنثى وفقط ثانيًة.وُلدت بجمال يلفت الأنظار لكنه تحوّل إلى لعنة عليها، إذ يجرّ عليها نظرات الشهوة ،فيبرز جمالها كعبء عليها ،ويصبح سببًا في مطاردتها بنظرات الشهوة والاستغلال من الرجال.  تناولت الرواية عده قضايا على رأسها التمييز العرقي العنصري الذى يتعرض له الغجر فى بلدان عديدة وأزمنة مختلفة فتأخذنا الرواية الرئيسة عبر "الأقلام "على إختلاف نشأتها وأنواعها لتفسر وتستزيد عن الأحداث الرئيسية للرواية الأصلية مما خلق مزيجا مشوقا ممتعا جمع بين الرواية الرومانسية الإجتماعيه المعاصرة الممتعه بتفاصيلها   وبالمعلومات والجذور التاريخية لأصل المشكله أوالحدث فتتشعب بنا الرواية شعوريا أكثر وتأخذنا إلى قصص وحكاوى تاريخية فى أزمنة مختلفة معلنه أصل وجذر ما وصل بالحدث إلى هذه النقطة . هذا المزج أعطى حسا تشويقيا عاليا للرواية. فيذهب بك ويجئ الكاتب بين الماضى البعيد بداية من عام 1926 قبل الميلاد ثم يعود أدراجه بك إلى العصر الحديث فلا يشعر القارئ بالملل بل يزداد تشويقا ويستمتع بالحدوته ويستفيد بالمعلومة و هذا شأن الروايات التى تحمل بين طياتها هدفا بجانب متعه القراءة والتسلية بها. ولقد حقق د. شعير ذلك بجدارة. فانتقل بنا من أحداث العصرالآنى فى عدة أماكن فتتسع بيئة السرد المكانية والجغرافية أيضا لتمتد بين عدة محافظات فى مصر(القاهرة والإسكندرية وجرجا فى الصعيد وبعض قرى الوجه البحرى وبين والهند وحلب وغزة وصربيا و بريطانيا وأسبانيا وفرنسا وألمانيا والهند وألبانيا وكسوفو والولايات المتحدة الأمريكية ) موضحا أن الاضطهاد التاريخي للغجر يتمثل في قرون من الاستعباد والتشريعات العنصرية والطرد والقتل الجماعي، بلغت ذروتها في الحرب العالمية الثانية بإبادتهم النازية (البوراجموس) التي حصدت مئات الآلاف من أرواحهم. ويُطلعنا الكاتب على المزيد من عالم الغجر بتفاصيله وعوالمه " الكثير من الناس لا يثقون فى الغجر، ويتعاملون معهم على أنهم قطيع ضال، ميراث الأب الهزيل هو الافتخار بأنه حفيد سارق بغلة "شيخ الغجر" منذ عدة قرون، هل يوجد ابشع من الزهو باللصوصية فى هذا العالم؟ . فنعرف أيضا "مجلس المغارم" الذى كانوا يفضون فيه نزاعاتهم والذى لم يكن منصفا أبدا حتى أنه تسبب لزهرة فى "تروما" طوال حياتها لما رأت فيه من فساد وظلم فتقول "شلة الحظ" هى نسخة من "مجلس المغارم" اللعين".  ومن الثيمات الأخرى التى تناولتها الرواية يأتى الصراع الإنسانى عبر التاريخ للإستحواذ على المال والمرأة معا. فدائما ما يقترن هذا بذاك فكلما زاد مال الرجل زادت رغبته فى الحصول على أجمل انساء . ثيمة متعارف عليها من قديم الأزل وحتى يومنا هذا فكانت المحور الرئيسى الذى تدور حوله الأحداث والذى اتخذت منه البطلة طريقها للإنتقام من عُقد طفولتها وماضيها ورد الجميل والعرفان بمن وقف بجانبها وساندها. ويمكن قراءة الرواية في ضوء مقولات الاغتراب (Alienation) كما صاغها الفلاسفة الوجوديون أمثال سارتر وكامو، وأيضًا من خلال مفهوم "المُستبعَد" عند إدوارد سعيد، حيث يتموضع "الآخر" خارج دائرة الاعتراف الاجتماعي. فتناولت الرواية ثيمة الاغتراب حيث تُقدَّم التفاصيل التاريخية لأصل حكاية اضهاد الغجر كذات منفية داخل مجتمع يرفض الاعتراف بهما. هذا الاغتراب يتجلى في ثلاث دوائر: دائر المرأة حيث الجسد الذي يُحمّل بوصمة "الغجرية" ، الفضاء المكاني الذي يُصوَّر أماكن معيشة الغجر كمجتمات مغلقة ومعزولة، والعلاقات الاجتماعية التي تُختزل في نظرات وأحكام مسبقة. ومن منظور سوسيولوجي، يمكن القول إن النص يستبطن الإشارة إلى "الوصم الاجتماعي" (Stigmatization) التي تجعل الفرد رهينة انتمائه القسري. هذا المجتمع الفقير المطحون، منغلق على نفسه على أساس العرق، فلا يتزوجون إلا من بعضهم البعض"، فنجد الشخصيتين الرئيسيتين "جابر محارب" و"زهرة"  ترسخت عقيدة الثأر من المجتمع بداخلهما ولكن كان لكل منهما طريقته، فجابر يرى أن فى انتقامة من الفقر والحصول على المال الكثير بأية وسيله هو الذى يجعل له قيمة بين الناس ويجب الحصول عليه بأى وسيلة. أما زهرة فقد اتخذت من جمالها وسيلة للانتقام ممن آذوها، وجعلته طريقًا لاسترداد الحقوق المسلوبة. تكشف الرواية زيف ما يُسمى بالحضارة حين تتعامل بعض الفئات مع الغجر بعنصرية لا تقل قسوة عن معاملة الرقيق في العصور المظلمة، وهو سلوك يمثل أقصى أشكال انتهاك حقوق الإنسان عبر التاريخ. يمكن القول أن الرواية جمعت بين كونها إجتماعية رومانسيه تاريخية إلى حد ما ، تناقش قضيه الغجر والمناهضه لهم ولكن فى قالبا مشوقا ليس بثقيلا على القارئ إلى جانب الثيمات الفرعية مثل الحرية المكبوتة، الجسد بوصفه ساحة صراع، والبحث عن الاعتراف والإحترام الإنساني ولكن بنهاية الرواية يلوح بريق أمل على يد باربارا البريطانيه التى تعمل لدى جمعية "حق الغجر فى الحياة" والتى قامت بجولات ميدانية فى القاهرة ورصدت التغييرات التى طرأت على حياة الغجر فى مصر فأصبحوا يسكنون المنازل ويلحقوا أبنائهم بالتعليم ويندمجون فى المجتمع بالتدريج ويعملون بحرف يعيشون منها. يمكن القول أن" زهرة من حي الغجر" عملا روائيا يجمع بين البعد الاجتماعي والرمزي، ويضع القارئ أمام مأساة إنسانية تتكرر في واقعنا بشكل أو بآخر.وقوته تكمن في جرأته على اختيار موضوع حساس، وفي قدرته على شحن اللغة بعاطفة صادقة فجاء النص الروائى محققا قيمة دلالية باعتباره نصًا يشتبك مع إشكالية "المهمّش" في المجتمع. ومن هذا المنظور، يُمكن اعتباره مساهمة في أرشفة صوت "الغجر" في المتخيل الأدبي العربي. وستظل الرواية إضافة لافتة في رصد صوت الهامش، وتذكيرًا بأن الأدب لا يكتمل إلا حين يمنح الكلام لمن حُرموا من الحق في الحضور.ص كمثال

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.