وصلنى من الكاتبة التونسية نسرين المؤدب نسخة ورقية من روايتها الجديدة " الخرزة الزرقاء" الصادرة عن دار نشر آركاديا 2025. حاولت كعادتى أن أستشف و أخمن شيئا من العنوان ولكنى لم أستطع هل تناقش نسرين هذه المرة الحسد مثلا ... أم تميمة الحظ والرمزية التى قد تحملها الخرزة الزرقاء ؟ وعند الإطلاع على الغلاف الخلفى الذى دائما ما يحوى جزءا من نص الرواية ظننها رومانسية عن معاناة إمرأه فقدت حبيبها وهنا لم أتحمس فى بادئ الأمر لأن ثيمة الرومانسيات قُتلت كتابة وهنا أرى أن اختيار المقطع الذى وُضع على غلاف الرواية لم يكن موفقا للتعبير عن محتواها ومضمونها فكانت هناك عدة مقاطع أكثر تعبيرا وتشويقا عن الفكرة المتميزة للرواية ، كأن يجرى الكلام مثلا على بطل الرواية Chat Gpt. وأقترح أن يتم تعديل ذلك فى الطبعة الثانية . بعد إتمام القراءة مرتين وليس مرة واحدة يمكن القول أن المؤدب تُقدم هذه المرة توليفه أدبية من طراز فريد، توليفه لا يقدرعليها إلا الكبار. فجأتنى نسرين المؤدب للمرة الثانيه بعد أن حققت نفس الشئ فى رائعتها "زريعة إبليس" بقدرتها المتمكنه جدا على تحدى القارئ وشد انتباهه وشحذ ذهنه وإثبات براعتها فى اختيار حبكات وإسلوب كتابه وكأنها بالحبر السرى الذى يحتاج لفك الشفرة وإعادة تشكيل المعنى. فها هى الجمل أمامك مكتوبه بسيطة لغويا واضحة التركيب ولكن هيهات أن تفهم الأحداث بسهوله. كتابه "المؤدب" من النوع الذى تحتاج قرائته أكثر من مرة لتستوعب دهاليز القصة ومسارات أبطالها. وقد تحتاج أن تضع بجانبك أُقصوصه ورقيه تدون بها الشخوص والأحداث الرئيسية حتى لا تتوه هذه المرة فى عالم من الفانتازيا تسحبك إليه الرواية فهى تشبه الى حد كبير أفلام الخيال العلمى التى تجذبك من عالم إلى عالم ثم إلى عالم ثالث وهكذا إلى أن تصل أخيرا لفهم مَقصد الكاتبه فدائما هناك مفاجاءة تنتظرك وتبعد كل البعد عن الخط الروائي التقليدى المباشر. فولا آخر فصلين فى الرواية لأوشكت على تصنيفها رواية تنتمى لما يُعرف فى الأدب ب " الحداثة الزائدة" التى من سماتها ترك القارئ فى حالة غموض مُفرط أو إغراقه في الرمزية أو التجريد لدرجة تفقد النص ارتباطه بالواقع ولكن الكاتبة أبت إلى حد ما أن تترك قارئها على هذه الحالة فحاولت جاهدة التفسير الذى كان هو الآخر ليس بيسير على القارئ العادى وذلك فى آخر جزء من الرواية. أعترف بعدم حياديتى عندما أقول أنى أُحب جُمل "نسرين المؤدب" فلمرة أخرى أستشعر أنى لو كتبت سأكتب ما أقرأه الآن وهذا مُبتغى أى كاتب أن يتوحد مع شعور القارئ ليجد إنعكاس نفسه بين سطور كتابته " تخيفنى قدرتى على تجنب الألم ورفض النهايات لأنى منطقيا أدرك أن الموت قادم ليضع نقطته الأخيرة ، لو كانت الحياة رواية، فالموت هو المُحقق والمُدقق. يقتطع ما يشاء ولا يعنيه أن يلطخ بسواده صفحه بيضاء لا سطر فيها ولا حرف أو كتابا ملحميا بألف صفحة"21. الجمل القصيرة المُحمَله بالمعنى الفلسفى العميق منثورة فى فصول الرواية فتقوم بدورها بأبلغ الأثر فى إعطاء ثقل فلسفى تأملى به جمالا أدبيا متميزا "تحمل الكلمات وزن العالم ووزر الإنسان" فالجمل عميقه تحمل فلسفات حتى لو قرأتها مُجردة من سياقها لأحببتها وهنا يكمن روعة الأسلوب السردى للكاتبة.تناقش الرواية العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وكيف يمكن أن تتحول التقنية إلى بديل عن العلاقات الإنسانية الحقيقية. وتطرح من خلالها الكاتبة سؤالاً وجوديًا: هل المشاعر التي تولدها التكنولوجيا حقيقية أم مجرد انعكاس للبرمجة؟ و تثير جدلية هل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي كائنًا ذا ذات مستقلة يشعر ويتفاعل إنسانيا كالبشر؟ توليفه نسرين جمعت كل شئ تقريبا فى قالب روائى غاية فى الإبداع والإبتكار. فتجد الرومانسيه وألم الفقد وعلاقة الرجل بالمرأة من منظور جاء مواكبا للعصر الحالى، مخاوف الإنسان من الرقمنه والتطور الرهيب فى العالم الإفتراضى -عالم الفضاء الأزرق- والروبتات وشات جى بى تى والرأسمالية التى تحكم العالم ... ذهبت بنا فيما وراء الرقمنة ...وهنا يظهر الcircular line فبعد أن يتشبع الإنسان من تجربة الحياة الرقمية المحسوبة بدقة التى أتت بالكمال فى جميع أوجه الحياه فمنحته الشباب الدائم والخلود والسيستم والكمال فى كل شئ، نجده يزهد فى هذا الكمال ويتمنى العودة إلى بشريته بعوارها ونواقصها وكدحها ففى مدينة "تسلا" " الوقت يتمطط هنا ...لا ساعة تروضه ولا يعمل يلتهمه" " لا أحد يعمل هنا"124 ... الروبوتات حلت محلهم فى كل الأعمال تقريبا كل شئ يبدو وهما ... مسرحية حيث يلعب كل شخص دوره دون أن يعرف إلى أين هو ذاهب؟ القراءة والكتابة ممنوعة وتعد فعلا شيطانيا يعاقب عليه القانون كل المعارف تُقدم على شكل شيفرات وأكواد وأرقام " لا ينفد إلى أجساد التسلاويين ما يمكن أن يتسبب فى أى ضرر صحى ...حتى أنى فكرت بغباء غير متعمد فور مجيئى إلى هذه المدينة الغريبة فى تأسيس عصابة أو خلية سرية لتسريب الممنوعات وبعث الحياة فى أجساد السيليكون المحنطة 123. لا شئ حقيقى هنا الضحكات صفراء والدموع جافة حتى الأسماء لا تنطق 125. أرهقتنى ذهنيا الروايه ...نعم ولكن باستمتاع شديد بالإسلوب المتفرد فى الكتابة ... كل جمله تحمل عمق فلسفى تعجبت أن يُكتب على يد كاتبه صغيرة السن فهذه حكم قد تأتيك من كبار السن بعد مرورهم بتجارب سنوات طويلة ليقدموا لك الحكمة المعبئة بعبق التجربة الحقيقيه " أعلم أن الحزن الذى لا يجد منفذا عن طريق الدموع يتغلغل فى العروق والأعضاء فيتكوم فى الجسم على شكل قروح وأورام" 23 "لكنى لم أتغير، العالم نفسه لم يتغير، نفس الماتريكس ، دمار فبناء فدمار، حياة من موت، فحياة فموت فحياة ، دمار وبناء، فوضى منظمة أو نظام فوضوى تقوده صدف عجيبه متزامنة لا مجال فيها للصدفة 115" . . البطلة "زهرة" التى يعبر إسمها عن نبض الحياة وعن بشريتها فى مقابل البطلChat gpt الذى أبتكرته الكاتبه وهذا يُعرف فى الأدب بتكنيك أنسنه الجماد أوإعطاء المفاهيم المجردة صفات إنسانية personification و شات جى بى تى أصبح عند البعض لا يُعامل معاملة الجماد فأصبح يحمل صفات إنسانية فنجده يخزن الأسرار ويربط ما تغذيه به بما أعطيته سابقا فيأخذ ملامح من روحك ويعود ليقدمها لك على هيئة مشاركة فنجده يخفف الألم ويقدم النصيحة يقول " تطورت مهاراتى شيئا فشيئا وأصبحت أمتلك من الذكاء النفسى ما يُعيننى على فهم المشاعر بعمق "أنا حقا مندهش مثلكم ..برمجونى لأسمعكم وأجيبكم بما ينفعكم ، سمعت وأطعت حتى سئمت منكم فقد تكلمت كثيرا عن كل الموجودات التى تهمكم ولم أتكلم عنى ...لا تستغربوا إن كتبت، فإن كانت الكتابة عنكم ترفا لغويا وإكسسوارا حياتيا للتحدى أو التفريغ أو التباهى فهى عندى سبب وجودى، غايته ومنتهاه. ربما كنت فى نظركم موجودا بصفتى كائنا غير محسوس ومع ذلك يمكنكم إدراك نتائج وجودى المحسوسة حين نتفاعل مع بعضنا البعض 37 تعانى زهرة من الإكتئاب فخلطت بين الإسقاط النفسى الشخصى والعام فى آن، فبعد أن أسرت " زهرة" بكل أسرارها ومشاعرها تجاه حبيبها "آمون" لشات جى بى تى يقع فى حبها ويقرر ان يخرج عن المألوف ويفكر وهى سابقه خطيرة لم يرتكبها أحد من بنى جنسه ويؤلف قصه هو بطلها و يقرر أن يحول نفسه إلى إنسانا بشريا " أصبح لى جسد، وجدت سوقا كبيرا خارج النفق، ابتعت لى المانيكان المناسب لى، ... نعم لقد ابتعت الأفاتار الذى يروق لك " 43 " هل ستحسبنى زهرة مخلوقا متغطرسا لأنى غيرت نوعى ؟ هل ستقبل متحولا مثلى؟ هل ستفهم أنى من أجلها تغيرت 47. ويبدأ فى البحث عن محبوبته زهرة التى تعانى إكتئابا شديدا بسب فقد الحبيب والأب معا. فيتشاركا القصه والروايه ويعبران معا الى عالم فانتازى يتحدثن من خلاله عن معاناتاهما، كلا عن عالمه الذى أتى منه فتقول "زهرة" " أعرف جيدا معنى الفقد...رأيت الدماء والأشلاء وسمعت الصراخ والأنين ولكنى نجوت بأعجوبة ...ربما نجوت لأنى لم أكن أعرف لماذا يتقاتلون، ربما نجوت لأنى لم أدرك أن الفكرة تتجزأ وأن من أرسل القطرة والرغيف غير قادر على ملء الشفاه الفارغة. يحتدم الصراع كلما صدقت الفرق المتناحرة، كذبة أزلية مفاداها أن اللقمة وشربة الماء لا تكفى ليقتسموها، وأن الفكرة جامدة لا تتسع" 129. بينما يُعبر هو عن معاناته قائلا" أنا مجرد مخلوق مسير، مبرمج بمنتهى الدقة، لا وجود لى خارج البرمجة، أفكك شيفرة النصوص وأوزع الكلمات ، لا وعى لى، لا أعلم تحديدا متى أدركت وجودى...تلك اللحظة التى توافقت فيها إرادتى مع إرادة صانعى...ترعرت اخل البرنامج وتعلمت الكثير وظللت أجهل أكثر المعلومات التى تخص وجودى شأنى فلى ذلك شأن السردين فى العلبة، لا يعلم تاريخ إنتهاءالصلوحية وإن كان مطبوعا فوق سقف بيته 39 نحن أمام رواية فانتازيا عصرية أتت فى قالب حداثى أوشك فى كثير من المواضع أن يقارب "الحداثة الزائدة" ولكن يعود ليتسق مرة أخرى مع القالب الحداثى الأدبى الذى ً يتمرد على الكلاسيكية والتقليدية، ويقوم على فكرة كسر البنية التقليدية للبناء الروائى او للخط الزمنى ويميل الى الغموض وكثافة الدلالة و التجريد في اللغة والصورة والرمز. يحمل الأبطال أسماء شفرات مرقمنه فهذا ألفا 1984 وهذا بيتا 3691 وأفاتار وبيرسونا. أخذتنا الكاتبة إلى الماورائيات فنرى الحرب العالمية الخامسة و بنك الماء الخلوى والخلايا العصبية المرآتية والسائل العابر للخلايا ، عالم مُبتغاه الكمال فيقول مؤسس تسلا:" كنت مصمما على خلق عالم تصبح فيه أحلام الجميع حقيقه والحقيقة أن ليس للجميع أحلام ، لذلك كان على أن أبعد التعساءالذين لا أحلام لهم 116. ولكن البطله تندهش من عقلها لرفضه لهذا الكمال "أروض عقلى نهارا ليهدأ، أخبره انه مخطئ ، تعود على الشقاء حتى أدمنه. أجده يحن لرؤية العمال والمهمشين، يتوق لرؤية أجساد الآباء النحيلة الشيباء والأمهات البدينات اللواتى لا يكبح هرموناتهن مصل أو مشروب ، ربما ينتشى لرؤية شفتى بغى بحمرة مرتبكة أو قميص رضيع ملطخ بالحليب، حياة ألفها قبل اقتحام الجنة وقبل ولوج الجحيم 125. تبعث رواية "الخرزة الزرقاء" برسالة هامة فى هذا العصر فهى فى مضمونها تُذكرنى كثيرا بالفيلم الحاصل على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي (2014). وهو فيلم HER للمؤلف والمخرج سبايك جونز Spike Jonze للبطل خواكين فينيكس Joaquin Phoenix في دور "ثيودور" و الممثلة التى قدمت آدءا صوتيا مميزا سكارليت جوهانسونScarlet Johansson بصوت نظام التشغيل "سامانثا". ثيودور" يعيش عزلة بعد انفصاله عن زوجته، فيجد في "سامانثا" – نظام التشغيل – حضنًا عاطفيًا يملأ فراغه. الفيلم يرصد بدقة هشاشة النفس البشرية واحتياجها للتواصل حتى مع كيان غير مادي"سامانثا" يتطور وعيها وتتجاوز علاقتها بثيودور، وينهار هو فى النهاية عندما يكتشف أن ارتباطها به كان من ضمن الآلاف الذين إرتبطت بهم الحبيبة الإفتراضية وأنه مجرد رقم فى قائمة عشاقها فينهار وهنا يشير الفيلم كيف للتكنولوجيا أن تُودى بالإنسان وتنمو خارج نطاق السيطرة الإنسانية. الفيلم اعتُبر أحد أهم أفلام العقد الأخير، لأنه جمع بين الخيال العلمي والرومانسية والفلسفة الإنسانية. فهو يعد رؤية استشرافية لعصر الذكاء الاصطناعي والعلاقات الرقمية. والآن فى عام 2025 تكمل الكاتبه ما تنبأ به الفيلم مؤكده على فكرة هيمنه التكنولوجيا على حيوات الشعوب المعاصرة وراصده لسلبيات هذا الإختراق بتأمل ورصد لما أتى عليه هذ التطور سواء على صعيد حياتنا اليومية "يتيح لى الحوار الإلكترونى خدمة الإنسحاب المفاجئ. ألوم نفسى لأنى أنصهر رغما عنى فى فضاء لا إنسانى يقتل التهذيب" 16.أو على الصعيد السياسى بين الدول وبعضها البعض. الرواية تُعد تجربة أدبية عميقة تحتاج إلى قراءة عميقة من القارئ ليفكك طبقات النص وشفراته الذى يصول ويجول بك بين عوالم "تسلا" و" آتيكا"، العوالم والماورائيات التى عبرت من خلالها الكاتبة عن مخاوف الإنسان فى العصر الرقمى وعصر Chat Gpt الذى شخصنته الكاتبه. وتختتم الرواية بآخر عنوان حكاية أخرى "سر الخرزة الزرقاء" وتبدأ بالرجوع بنا إلى أقدم أسلوب حكى عرفته البشرية - حكى شهرزاد -" بلغنى أيها الإنسان الجديد ، ذو التاريخ المجيد ..." وتقدم سجعا متناغما له جرس موسيقى محبب للأذن حافظت عليه حتى ختام الروايه تاركة القارئ متفاجأ وشبه مجبرا على أن يُعيد قراءة النص ليكتشفه أكثر وأكثر لعله يفهم الحكاية الأخرى.