17 Jan
17Jan

"سنوات النمش"  ...... لوحيد الطويلة ...كتابة مهيبة لكاتب متفرد 


رواية "سنوات النمش " 2024 للكاتب الكبير وحيد الطويلة و الصادره عن ثلاث دور نشر فى توقيت واحد: دار "المحرر" في مصر ودار "طباق" فى فلسطين ودار "مقاربات" فى المغرب.ما أجمل الحكايات عندما تكون حقيقيه المنشأ ، مُعاشة سلفا فتخرج نابضه بالحياة ، شهيه الحكي ، دقيقة الصورة ، حية الشعور وبليغة الأثر وهذا ما حققه الكاتب والروائى الكبير الوحيد من نوعه " وحيد الطويلة". بعيون الصغيررأينا عالم الكبار ...ببرائته وتفسيراته وتأويلاته وصراحة الأطفال الصادمة أحيانا. رصد طويل ومُفصل لفترة غير قصيرة لإحدى قرى مصر النائية عانت من الفقر وقلة الإمكانيات طويلا تم وصفها على لسان أحد أبنائها فى لحظه صفا وما أعزها -على حد وصف الراوي "نحـن نعيـش على شـمال السـماء، وواحــد آخــر يقــول إنهــا أرض القيامــة وواحــد يتنــدر فيقــول: لــم تكــن موجودة في اللحــظة الأولى لخــلق الأرض بل تــمت إضافتــها فيــما بــعد" 23 ...، لـم يكـن أحـد يعـرف اسـًما للمنطقـة، يقولـون البراري وكفـى، ...حين يسـأل أحـد واحـًدا مـن عندنـا: مـن أيـن؟ تكـون الإجابـة إياهـا حـاضرة: نحـن مـن منطقـة على شـمال السـماء مبــاشرة، عنــد آخــر حافــة، ويــرد آخــر وهــو يقهقــه: "حتــة ولزقوهــا في الأرض بعــد مــا كملــت«. ولم ينقص هذا من الحدوته شيئا بل زادها عمقا و تشويقا,,, غزاره الأحداث تلاحمت مع غزارة الشخصيات إلى جانب تعليق الراوى الراصد والشاهد والمُفسر إستطاع النقل والبث ورسم الإبتسامة أحيانا من الوصف والتشبيهات المحملة بحس فكاهى بنكهه خاصه. وكان الخط السياسى ملازما من بعيد لحواديت الناس يطل من خلفية الأحداث بين فصل وآخر ليؤكد أن للكاتب إهتماما ووعيا بالحياه السياسية منذ الطفولة فيدس وجهات نظر وقناعات بين السطور ولكنها تحمل عمقا ورؤية "فـحين يوجـد الـزرع ويوجـد البشر لابـد أن تنبـت السـلطة ولـو زرعها النـاس زرًعـا، لا يسـتقيم  الأمـر أن يعيــش النــاس في سواســية أو وئــام أو تكاتف" 17 أبهرنا الكاتب بعالم تحكمه قوانين العائلة والكبير الذي إن لم يكن موجودا فيتم صنعه..." فطريق البطولة شاق، يولد الأبطال أبطالا يصنعون الحدث ، وفى الدرجـة الثانيـة هنـاك أبطـال يصنعهـم الحـدث، وهـو مـن النـوع الأخير... فاتكل على الله أو على الشيطان وقـرر أن يكـون لًّصًـا، لًّصّا كـبيًرا. روايه منفرده السرد والتفاصيل تسرح بيك وتشدّك إلى القريه النائيه البعيده التى تحكم حولها سياج من قوانين خاصه ، أعراف قاسيه غير منصفة، رغبات ورهبات وخرافات ، صراع سلطوي وعقد نفسيه وحكايات حب متماثلة مكشوفه تاره ومستتره تارات أخرى ، موروثات باليه تسبب آلاما أكثر مما تحقق أحلاما ،، أوجعت أبطالها ومن عاصروها ،،، رمزية النمش الذى يمثل العلامات الفارقة فى حياة الشخوص  لكل نقص وضعف وخيبه ومهانه وتعكير صفو كما يعكر النمش صفاء البشره البيضاء ، استخدمه الكاتب برمزيه لكل ألم وفقد ومعاناه كان يرمز احيانا للفقد " النمش  يظهــر في أول العمــر أو آخــره، عندهــا ظهــر في منتصفــه"  32. رمز تارة أخرى للخراب والإضطرابات والفوضى " خراب عميم ضرب العائلة ، وبدأ النمش على أهبه الإنتشار ، بل بدأت سنوات النمش تعُد على أصابعها" 26. وهو علامة ظهور النوائب " شعـرت بالنمــش يسرح على علاقتهــا بــه لكــن لــم ًتستطع أن تفعل شيئا، "40 فمنهم من  تـمنى أن تخـرج حتى لا يتمـدد نمشـها داخـل البيـت   45 وكأن المرأه الغير متزوجة فى بيت أهلها تحمل عدوى يخشون إنتشارها!! ورمز للمرض أيضا " اختبأ مـن الجميـع، لـف وجهـه بملفحـة ليلا ونهارا ،عاد للأرض التى لفظها  ، ، لكنـه لـم يتحمـل الإهانـة طـويلا، سـقط مـن طولـه مريضا ، ظهرت البقــع والنمــش على جســده، ... وقد تمتد رمزية النمش حتى للموت " نام وقبل أن يفعلها كان النمش يغطيه كله" ص21. نـطق النـمش على وجوه الخلق،ولا وقـت للعـزاء، لا أحـد يصـدق أن عبـد النـاصر غاب 94. " إذا كان هنـاك مـن يعتقـد أن النمـش سـيأخذ وقتـه وينتهـي فهـو واهـم، أو أنـه مجـرد طفـح جـاء نتيجـة ظـرف عابـر فهـو مخطـئ، النمش ليـس ريح صيف ًأو حدثا عابـرا، النمـش أقـرب إلى القـدر الـذي صنعـه أهلـه بأيديهـم وغواياتهـم" 99. أعاد لنا "الطويلة" مفهوم الكبير فى العائلة التى كلمته سوط وقراره نافذ لا محالة ...آرانا وجها مُنمشا قد نحيا ونموت ولا ندرى عنه شيئا، عالم القرية ذات القوانين الخاصة ، إفتاءات وقصص وحواديت وقوانين موضوعة من بينهم وإليهم وعليهم ، عالم صغير يطل على العالم الكبير من وراء نافذة نائية خلف التهميش ومن يعبر ويرى يعود و يسرد الحكايات. " السبـب أن كل شيء هنـا متوقـع، كأن النـاس يحتاجـون للديـن والقانـون ، وإن لـم يجدوهمـا خلقـوا ديًنا جديدا أو طوعوا الموجدود على كيفهم  والقانـون! مـا يفعلونـه هـو القانـون، إنهـا الغابـة والقـوي يأكل الضعيـف" 51. عشنا مع الكاتب من بيت إلى بيت ومن حدوته إلى أخرى ومن شخصية إلى شخصية بتفاصيل غاية فى الدقة والفهم والعمق. النمش مثل فى الرواية طبقات كثيرة من الألم منها الظاهر والخفى ...له جذور بالداخل ولكن المسموح له بالظهور على السطح فقط هى تلك البقع البنيه المتناهية الصغر ... الكبيرة الأثر والنمش ما هوإلا قليل من كثير يحمله أحدهم بقلبه فيُثقل عليه حمله فيطفوعلى سطح وجهه ...في وصمه.. و"يعلم عليه" بلغه كاتبنا وأديبنا "وحيد الطويلة" والتى هى مزيج بين فصحى ضليعة وعامية بسيطة وكلاهما بالغ الأثر ,,,مٌصيب الهدف ...مُحققا الغاية ..فى بساطة وعبقرية فى السرد. المبهر فى أسلوب السرد هو المزج بين الخيال والواقع,,, الأساطير والأقاويل,,, التفسير والغموض... عالم غريب ... بل شديد الغرابة ..." يمشــون معــوجي الــرؤوس كأنهــم هبطــوا مــن كوكــب آخــر، طــرد أحدهـم ابـن أختـه مـن أمـام مركـز البوليـس وكاد يضربـه حين علـم أنـه حضر ليســتخرج بطاقتــه الشــخصية وقــال قولــة كيف تستخرج بطاقة ونحن أخوالك !177، وواحـد يصرخ في ابـن أخيـه المقتـول غـدًرا، الممـدد بشــباب يفتــح القلــب: "اصحــى يــا بني، المــوت مــش مــن عاداتنــا«، كأنــه يقــاوم القهــر بالإستــسلام، ولا تعــرف هــل هي صيرورة المــوت أم َسيرة النمش" 161.الشخوص جميعها بها ما يميزها ، يشرحها الراوى لنا تشريحا داخليا يصل بنا إلى أعمق نقطه داخل الشخصيه فنعيش عوارها ونقصها وعُقدها واحتياجاتها فنتعاطف مره ونشمت مرات ،،، "الفاتحه للجميع ما عدا العكش " 140 الكاتب الكبير ،،،؛ وحيد الطويله صاحب كتابه أصفها ب"كتابه مهيبه" بها سحر خاص لا تعرف كيف يصف الأشياء هكذا فتجد نفسك مندمجا حتى النخاع بين قصص وحكايات أبطاله وحواديتهم . فهويحقق الانتقال التام والكامل من عالمنا إلى عالم آخر...عالم أُناس بسطاء الفكروبسطاء المعيشة.    كتابه نابضه حيه مُعاشه منذ الطفوله ...ومحكية بعين الطفولة التلقائية الجريئة والكاشفة للأستار ببراءه الأطفال فهم يقولون الأشياء كما هى كما يرونها تمام لا مجال للتحوير ولا التخفيف .ولا للإضافة أو المحو مما أتاح للحكائية ثوبا فضفاضا حرا يُقال من خلاله الحكايات والأحداث بسخرية وكوميدية أحيانا وكشف ستر أحيانا وبحزن مرات أخرى. أدركت أن الكتابة سيرة ذاتيه بعد أن شككت فى الأمرمرات أنها قد تكون من وحى مٌخيلة كاتبها - لغرائبية الأحداث ربما - حتى قرأت هذه السطو" أخاف اسمي، أخشى جملة: ”مخاوفنا أقدارنا“. هكـذا منحـتني جدتي لأبي اسمي، أصــعب اسم: أخشى أن يبطش بي في ًآخـر أيـامي"147   ... عبقريه فى إرسال القصد والمعنى. تبدو القرية وأناسها أقرب إلى أسطورة يتداخل فيها الواقع بالخيال والفانتازيا ... لا أعــرف بالضبــط أيــن ولــدت، الأرجــح أنني ولــدت في الوهــم، منطقــة بلا تاريـخ سـوى تاريـخ الذئـاب والأفـاعي، ...، بقعـة ملائمـة جـًّدًا للصـوص أفاضـل ولهـاربين عظــام، على مقاســهم بالضبــط، اللــه فوقهــم والبوليــس بعيــد عنهــم، ً ســماء غامضــة وطير غريــب مثلهــم يــعبر مــن فوقهــم للجنــوب طلًب للــدفء، يتوقــف عندهــم ليستريــح، يســدد ضريبــة المــرور، يقصفــون منـه مـا اسـتطاعوا ثـم يتركونـه لبقيـة رحلتـه. كان الواقـع أقـوى مـن القانـون51 القرى دائما ما يكون لها قوانينها وأعرافها التى تدوس على حياه الكثيرين من أبنائها وخاصه النساء الراوى صغيرالسن بدأ معنا منذ طفولته وكبر بالحكى معنا داخل قوانين وأعراف وموروثات عائلته التى ليست كأى عائلة ،،،لامس قضيه ميراث النساء فى الأرياف و معاناتهن إذا تطلقن او ترملن ،،، لا قيراط عندهــم يذهــب في الــميراث لبنــت أو امــرأة ،  177. تعدد الزوجات سرا او علنا اوالاثنين  معا. صور لنا المعاناة تحت وطأة ذكوريه المجتمع ،،، التفرقه الصادمه الظالمه بين الرجل رالمرأه . بؤرة عانت فيها المرأة تحت وطأتها ويلات السلطة الذكورية ف " السلطة تضعف المشاعر، تزيحها للمرتبة الثالثة 114. عرفنا كلمة "هجالة" لأول مرة ...الإغراق فى ثقافة الآخر من مصطلحات وعادات وتقاليد تثرى من ثقافة القراء وتحملهم للعالم الآخر الذى لن تطأه أقدامهم أبدا. أخذنا السارد إلى عالم العائلات التى تحكمها السياده حتى لو على باطل "لــم يكــن ذلــك جديــدا فيمــا يبــدو على العائلــة، فالأيــام تكــرر نفســهــا ،لا أســتطيع أن أقضي بــأن ذلــك أحــد الجينــات، ربمــا يكــون جيًن معـروف في اللائحـة، لكنـه بالقطـع نمـش يسري في دم مـن يعيشـون في المنطقـة، صحيـح لا يظهـر عنـد تحليـل الـدم في المعامـل، لكنـه واضـح يسـتطيع أن يقـرأه بسـهولة مـن يعـرف قـراءة الوجـوه، ومـن يسـتطيع أن يتســلل إلى النفــوس ليعــرف خبيئتهــا. نمـش لـم يكـن ابـن اللحظـة التي ولـدت فيهـا، ولا ابـن تلـك الـفترة فقـط، كان واضحــا أنــه قديــم وأنــه يتناســل في حيــاة الجميــع، يسري مسرى الـدم، كانـت حبـال الأسى والغُشـم طويلـة وعتيقـة وممتـدة حتى جـدتي 56. عالم قديم قديم جدا حيث كانت السبعه جنيهات تشترى فدانا زراعيا ،،،وحيث جهاز العروس أهم  قطع فيه هى الآواني النحاسيه ، الإبريق والطشت النحاس ،مما يجعل القارىء يلفظ  فى سره أحيانا ...ياااااه ،،،  عالم عندما كانت العمه فوق الرأس بكل ما ترمز إليه من سلطه وقوه وسيطرة وقانون: " مـا يقولـه أبوهـا قانـون، قـرآن منزل مـن السـماء، ولن يُعصى أحد عمامته " 40 ، وقد تستخدم العمه فى التبرك أحيانا:" يشـاهد معهـم مباريـات الأهلي، وحين تـعثرت النتيجـة ذات مـرة خلـع عمامتـه ووضعهـا فـوق التلفزيـون اليتيـم في قريتنـا ففـاز الأهلي، ومـن يومهـا صـارت حكايتـه أيقونـة واسـتخدموه كتعويـذة "166 تشبيهات كوميديه ،،، عبارات عاميه وأمثله شعبيه نابضه بحياه معاشه كما عاشها أبطالها تماما مشاهد حب وكفاح " تنتظـر نظـرة، لمحـة تغسـل تعـب الأسى والنهـار، كأن الحـب يمنـع كسرة النفـس، بـل يمنـع الإنهيـار" 114. وصف مختلف لمشاعر الحب والإشتهاء ولأجساد النساء ويصف لنا قرب نهايه الحكى والحواديت "إذا كنـت تتخيـل أن النمـش مرحلـة ومـرت فأنـت واهـم، النمـش ليـس ًجينـا ولا قـدًرا، النمـش ضرورة كي يعيـش هـذا المـكان دوًمـا على حافـة جيًن الهاوية، بشر إن لم يجدوا مـن يتعاركون معــه تعاركــوا مــع بعضهــم، كأنهـا تسـلية، لكنهـا تسـلية بالـدم، تحتـاج لأعصـاب مـن حديـد وقلـوب ميتــة، وربمــا لا يحتاجــون إلى أعصــاب مــن أصلــه، بشر جلدهــم ســميك وقلوبهــم شتى. كل واحــد معجــب بدماغــه فقــط، خلطــة الهمجــي بالجهــل، البشر على هيئــة الخلــق الأولى، وصراع البقــاء والســلطة في أســوأ تجلياتــه. الطويلة سافربنا إلى أرضا منسية وأشخاصا قد لا نعى بوجودهم فى الواقع ، كشف عنهم الستار ونفض عنهم التراب وإستعادهم لنا من ذاكرته بتفاصيل حية بها حميمية ذكريات الطفولة . تلك التفاصيل التى تؤكد إعتزازه بجذوره وريفيته على عكس الغالبية التى قد تتنصل أحيانا من جذورها الريفية ولكن وحيد الطويل يحمل ريفه القديم فى قلبه ويبدوا أنه حاضرا دائما فى روحه.  "سنوات النمش" عملاً أدبيا مميزاً استحضرفيه كاتبه ذكريات طفولته بكل ما بها من تناقضات. القرية التي تدور بها الأحداث ليست كأى قرية، بل هي رمز لعالم جمع بين البساطة حينا والتعقيد أحيانا، عالم سادته القسوة والفقد والسحروالأسطورة والخرافة، و الضحك أيضا . من خلال هذه الخلطة، يخلق الطويلة نصاً إنسانياً فى المقام الأول، بمستوى أدبيا عالميا حيث أنه دائما ما يكون الغرق فى المحلية هو ما يأخذك إلى العالمية، وسرد الطويلة وحكاياته أصيلة وبنكهه زمنها وبإحساس راويها ونبشها فى تفاصيل الشخوص من الداخل يؤهلها للوصول لمصاف الروايات العالمية. ببراعة الطويلة  نجح فى نسج ثوبا بمقاييس عالمية من خيوط التفاصيل الصغيرة لحكايات أُناس قريته. فالرواية لا تحكي الحكاية من زاوية تقليدية ،فالسرد منفرد والجوهرمتفرد، والأبطال حقيقين يحملون أصاله الواقع فينجرف القارئ بين سطور تلك الحكايات مستمتعا بالحكى وبالاطلاع على عالم غريب ربما لم يكن ليعرف عنه شيئا لولا حمله إليه راويه بمصداقيه الشاهد لا السامع مُطعما كل هذا بروح مرحة تأتى من طرافة مواقف الشخوص والحكايات. الرواية خلطة أدبية فاخرة الصنع، بل هي عمل أدبي يغرس القارئ فى أرض تحمل عوالم  إنسانية عميقة تتعلق بحكايات تحمل بين طياتها الكثير من الأحلام فى بحررحلة حياه حقيقية غنية بالأحداث والشخوص فخرجت لنا بهذا القدر من الإمتاع والعمق فى آن.     

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.