04 Jan
04Jan

"سجِّل أنا عربي ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ، وأطفالي ثمانيةٌ وتاسعهُم سيأتي بعدَ صيفْ! فهلْ تغضبْ؟ سجِّلْ أنا عربي... سجل أنا عربي أنا اسم بلا لقبِ صَبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها يعيشُ بفَوْرةِ الغضبِ، جذوري قبلَ ميلادِ الزمانِ رستْ وقبلَ تفتّحِ الحقبِ... سجلْ أنا عربي ولونُ الشعرِ فحميٌّ ولونُ العينِ بنيٌّ، وميزاتي على رأسي عقالٌ فوقَ كوفيّه، وكفّي صلبةٌ كالصخرِ تخمشُ من يلامسَها، وعنواني أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ، شوارعُها بلا أسماء...فهل تغضبْ؟". ما أجمل وأرق شعر محمود درويش! فهو أيقونة شعرية متوهجه دوما ...آثرت أن أبدأ بنص قصيدة محمود درويش من داخل النص الرئيسى للروايه فلم أجد أبلغ منها لنقل الحس الحماسى البالغ بها ... فالرواية حماسية بها إنفعالات المعارك وصدى أجواء الحروب وروح الدفاع عن الأرض والإيمان بالقضية. طرح علينا الكاتب الكبير عبد الرحيم درويش هذا العام 2025 روايه تحمل بين طياتها قضية الساعه ,,, قضيه يحمل همها أجيال متعاقبة مسلطا الضوء ومصدرا الحدث ألأهم منذ فترة "طوفان الأقصى"..الذى يعد أكبر هجوم للمقاومة الفلسطينية على إسرائيل فى السابع من أكتوبر عام 2023 مُتخذا من ذلك الحدث الهام عنوانا لروايه أقل ما يقل عنها أنها تحقق الcatharsis  أى التنفيس لكل الغاضبين وهم كثر ,,,صوت لكل المقهورين وما أكثرهم ... "الطوفان الكبير" العنوان واضح ومباشر ويعيه كل مهتم ومتابع ...ولكن القارئ المتفحص سيعرف أن الكاتب رمز بفكرة " الطوفان" لكل حدث جلل يجتاح حياة أى فرد يتعرض لموجات عنيفة من المعاناة . يتميز أسلوب درويش الأدبي بتنوعه، حيث يجمع بين الرومانسية ومعالجة القضايا الاجتماعية، بالإضافة إلى استشراف المستقبل في بعض أعماله. وقد تأثر في بداياته بالأديب الكبير نجيب محفوظ، الذي دعمه معنويًا وكان له تأثير واضح على مسيرته الأدبية. أمتعنا الكاتب عبد الرحيم درويش بروايته "الطوفان الكبير" 2025 الصادرة عن دار حابى للنشر والتوزيع فكانت متنفسا لكل مسلم وعربى يكتم غضبه حيال القضية الفلسطينية، الروايه تحدثت بلسان كل مهموم ومجروح وغضبان عن الوضع العربى الإسرائيلى. فكانت ثورة كلامية لكل من لم يستطيع التعبيرعن غضبه فأتت مواسية لكل ذى قلة حيلة، ومعبرة عن ما تكتمه النفوس ومعبره عن الغضب المكتوم وناطقه بالمسكوت عنه فجاءت موزعة على أربعه ابطال من جنسيات مختلفة الامريكى والمصرى والإسرائيلى والفلسطينى  يمثلون بلادهم ويرمزون للديانات الثلاث. وقد أجرى الكاتب على لسانهم ومن خلال حواراتهم وجهات نظروتحليلات سياسية ومعلومات وحجج تم البحث عنها بمجهود ودقة عكست مدى الوعى السياسى والثقافى للكاتب الذى عكس مدى معرفته بنصوص الديانات الأخرى "المسيحية واليهودية" والإستشهاد بنصوص ليست بقصيرة من التوراة والإنجيل إلى جانب الآيات القرآنية فخرجت لنا الرواية كمناظرة ثرية بين أطراف النزاع المزمن. وتضافر ذلك من خلال قصة درامية أتت خفيفة الأحداث نوعا ما مقارنة بالمحتوى الساسيى للرواية ولكن لم يؤثر ذلك على الحس التشويقى للرواية رسم  الكاتب قصة حياة كل بطل من الأبطال الأربع بخلفياتهم الثقافية والدينية والسياسية والشخصية أيضا والتى أتت بهم للحظة الآنية وعلى رأسهم دكتورهم الجامعى صاحب نظرية الطوفان. أتت الرواية بأسلوب سرد "بولوفوني "ويقصد بالبوليفونية "polyphony" لغة تعدد الأصوات، وقد أخذ هذا المصطلح من عالم الموسيقى، ليتم نقله إلى حقل الأدب والنقد. ومن ثم، فالمقصود بالرواية البوليفونية تلك الرواية التي تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة، وتتعدد فيها وجهات النظر، وتختلف فيها الرؤى الإيديولوجية. كلا من الأبطال الأربع اختلطت خلفيه احداث حياته الشخصيه بأحداث بلده السياسيه وتضافرت معا لتشكل هويته وموقفه السياسى وقناعاته وردود افعاله. الأبطال النسائيه دورها خفى فى حياه الأبطال يحركن الاحداث  بشكل غير مباشر، يؤثرن فى مسار حياه الأبطال ولا يتأثرن كثيرا ،،، ولكن تظل القضيه المزمنه هى شريان الروايه. محور الرواية يدور حول عملية طوفان الأقصى: "وفي إسرائيل تُسمى بعمليّة السُّيُوف الحديديَّة، كما تُشير إليها بعض المصادر المحايدة أو الانتفاضة الثالثة، أو الحرب الفلسطينية الإسرائيلية، ويشار إليها بشكل غير رسمي باسم معركة السابع من أكتوبر، هي عمليةٌ عسكرية مُمتدة، شنَّتها فصائلُ المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وعَلى رأسِها حركة حماس." عكست روايه "الطوفان الكبير" مدى متابعه د. درويش للقضيه الفلسطينيه ومدى إيمانه بها ،، عكست مستوى ثقافى وعلمى غايه فى الوعى والرقى عن الديانات الثلاث. جاء ذلك جليا فى الاستشهاد بآيات كامله مفصله من التوراه والانجيل والقرآن، استخدمها الكاتب كحجج فى المناظرات والجدال الدائر دوما خاصه بين مصطفى البطنيجى المصرى وديڤيد اليهودى ،،،كما أشار الكاتب تفصيليا إلى رموز السياسه فى فلسطين " لما سألته عن عبدالقادر الحسيني قال: أحبه وأعتبره مثلا أعلى بالنسبة لي. أحبه كما أحب القسام وإسماعيل هنية ويحيى السنوار ص37. من الملاحظ إختيار الكاتب لشخصيات ملتزمة دينيا سواء بالدين المسيحى او الإسلامى أوبالديانه اليهودية ...الأربعه جمعتهم ظروف الدراسه فى جامعه واحده على الآراضى الأمريكيه ،،، "هنرى سكوت" الأمريكى الذى أشهر إسلامه آخر الروايه ممثلا بذلك ضربه قاصمه للفرق اليهوديه المعاديه بمكائدها ومؤمراتها... هنرى سكوت بروفيسيرالعلوم السياسية بجامعة كولومبيا بولاية نيويورك. أو "جيو يورك" كما يسميها الطالب المصري مصطفى البطنيجى و"جيو تعني اليهودي ... شخصيه البروفسيرهنرى سكوت ،،، الذى يستعرض فى مقالاته ومقابلاته التليفزيونية متبنيا وجهة نظرسماها "الطوفان الكبير" وهومؤمن بها إيمانا شديدا. وهوالراوى عن تلميذيه المصرى مصطفى عبد القادر البطنيجى والفلسطينى مازن النعيمى ثم الطالب الثالث ديفيد لى كاتز. دكتورا جامعيا مثقفا واعيا لا يفعّل شيئا فى حياته سوى العلم والأبحاث وإلقاء المحاضرات، دخلت حياته أنثى لعوب فقلبتها رأس على عقب ، دمرته وتركته "حطام إنسان" على حد وصفه. رباه أبوه على التدين بالمسيحية وعلماه كيف يكون حريصا على الدعاء دوما وعلى حضور القداس والالتزام بتعاليم المسيحيه، "منذ طفولتي حرص أبي على أن أكون مسيحيا حقيقيا مخلصا... أنت يا ربنا يسوع المسيح ضع يمينك القوية مانحة الخيرات وبارك عبدك هذا (هنري ابن رايلي سكوت) المولود جديداً من المعمودية المقدسة لتكن له المعمودية هادية ومرشدة جميع أيام حياته إلى الملكوت السماوي وليكن محفوظاً بواسطة الملاك الحارس المرسل من روحك القدوس". وبالرغم من ذلك يجد القارئ تحولا جوهريا فى شخصية "هنرى سكوت" التى بدأ أول الرواية واصفا نفسه بحطام إنسان منتهيا بدكتور جامعى له حضور وموقف متسامحا مع ماضية ومتقبله ومشهرا إسلامه. مما شكل مفاجأه و تحول في الحبكة فى آخر الرواية ؛ قرأ دكتور هنرى كثيرا في الكتب والمراجع، ويؤمن أن فلسطين عربية، إنه يؤمن بحق الفلسطينين وأنهم هم السكان الأصليون وأنهم سكنوها قبل اليهود. يحدث طوفانان جديدان حوَّلا التيارتماما إلى وجهة جديدة. الطوفان الأول كان لهنرى سكوت عندما " وجد الأطباء يضربون كفا بكف، ويتعجبون لما حدث. أكدوا له أن معجزة حدثت لأبيه بكل المقاييس ولا يجدون لها تفسيرا علميا، كل التحليلات والأشعة تؤكد أنه شفي تماما.. أحس أنه يحلم. والطوفان الثانى عندما أعلن الدكتور هنري سكوت إسلامه على صفحته، ونقلت كل المواقع ما نشره... تنصررمضان الصفدى وأسلم هنري، واحدة بواحدة. إن إسلام هنري لم يكن في الحسبان. إنها ضربة كبيرة لديفيد وتعد طوفانا أغرقه وأفسد معظم خططه. إن وقع هذا الحادث أصعب من وقع عملية طوفان الأقصى عليه. يسافرالبروفيسيرإلى جامعة تل أبيب ليرى الصورة الحقيقية التي لا يظهرها الإعلام الغربي. "لقد انكشفت إسرائيل أمامي أكثر عندما زرتها وزرتكم". إصطفاه الله ليعلم عن الديانه الإسلامية، عرف العرب عن قرب، ولكنه أمريكى وكلما أعلن عن آرائه ومواقفه يزعجونه ويضيقون عليه الخناق. شخصية "مصطفى البطنيجى" الذى أتاه طوفانه مبكرا فى أول حياته عندما تعرض لظلم من الدكتورة فاطمة التى حرمته التعيين بالجامعه لصالح ابنتها التى تعرضت لمرض وأتت أمريكا لمعالجتها معترفه ان ذلك عقاب إلهى بسبب ظلمها لمصطفى. مثل الطوفان أكثر من رمز فى الرواية فكان الطوفان رمزا لكل أزمة نفسية وموقف يسحق القلب والنفس. فكانت أزمات الشخوص بمثابة طوفانا حياتيا يجرف بتياره الساحق سعادة الشخوص وإطمئنانهم. فلكل شخصية طوفانها الخاص الذى يزيد من معاناتهم جنبا إلى جنب الطوفان السياسى ببلدانهم. تمثل الطوفان أيضا فى شخصية "رمضان الصفدى" الذى كان ضحيه مؤامرة خسيسه نتج عنها ظهوره كمرتد عن دينه وحدث ذلك تحت التهديد والإبتزاز. من الشخصيات التى مرت بتحول خلال الرواية شخصية الفلسطينى -الصامت -مازن النعيمي الذى موقفه فى بدايه الرواية غير نهايتها فيبدأ قائلا "سأظل صامتا ولن أتكلم. السكوت أفضل شيء بالنسبة لي ولمن مثلي. ماذا نفعل وقد عانينا الكثير من قوات جيش الدفاع الإسرائيلي؟ إنهم يفعلون بنا ما يشاؤون، ولا نملك سوى البكاء والدعاء والشجب والتنديد بما يفعله بنا المحتلون الغاصبون" ص75. "مازن النعيمى" طالبا فلسطينيا شابا يدرس فى جامعه كولومبيا ولكنه يائسا خائفا محبطا كان موقفه متمثلا فى إلتزام الصمت ، كان يرفض حضورأى إحتفالات "لن أحتفل أبدا في حياتي بأي شيء إلا إذا تحررت القدس وعاد المسجد الأقصى حرا طليقا".يتجنب النقاش والجدال ويعانى من فوبيا، يرمش دائما بعينيه، وكأنه يعاني من مرض فيهما." فيما أتضح بعد ذلك أن رعشة عينيه سببها الضرب والتعذيب والكهرباء الذى تعرض لهما فى سجن الإحتلال". كان إحساسه بالخوف يصيبه بالهلع والرعب دائما من كل شيء ومن أي شيء. "أقوم مفزوعا أتفل عن يميني وعن شمالي. الحمد لله لقد كان كابوسا. أنا هنا الآن في نيويورك ولست في غزة. تيقنت أنني كنت أحلم. كان كابوسا مشابها لآخر مرة من التعذيب، الذي جعلني إنسانا غير طبيعي" ص74. ولكننا نجده يدافع عن نفسه فى إحدى حواراته مع زميله مصطفى "على فكرة أنا فعلا شجاع. بالمناسبة أنا ولدت في حي الشجاعية بغزة". ويتضح أن مازن وأخيه من أبطال غزة، لقبت أمهما ب"أم الانتفاضتين". تحولت شخصية مازن خلال الرواية وبدأ يتفاعل مع الأحداث ويندمج خاصه بعد المظاهرات التى رجت أرجاء الجامعة وكان يقرأ الأخبار بصوت أشبهه بالخطبة حتى بكى كثيرا وهو يقرأ أسماء الشهداء."أصابته الدهشة لما وصل إلى اسمها... نرجس الهرباوي. لم يستطع أن يواصل، نرجس عشق الطفولة، استشهدت زوجتي وحبيبتي ... مشاهد محمله بالألم والصدمة والقهروقيلة الحيلة معا. الطالب الثالث المنتمى لنفس الجامعة "ديفيد لى كاتز"أو"شايلوك"... اليهودي الأمريكي الذي يفتخر بجنسيته الأمريكية ويقارع مصطفى الحجة بالحجة ويناقشه باستمرار. "اسمي ديفيد. هذا هو الاسم الذي أطلقه عليَّ والدي الحاخام لي كاتز عند ولادتي ... وأبي يفتخر دائما بأنه يهودي أبا عن أب، وجدا عن جد. وبالرغم من ذلك فإن ديفيد لا يحب أبويه ويعانى من الصدمه كونهم يبطنون عكس ما يظهرون فبطانتهم الخيانه وإنكارالعهد وإتباع الشهوات بينما الظاهرهو التدين الشديد والحرص على التعاليم اليهودية. ويمكن إيجاز وصف حياه ديفيد أنه نشأ كارها ومكروها، "والديَّ ينعزلان تماما لا عن العالم كله من حولنا فقط، ولكن عن اليهود الذين يريانهم غير ملتزمين بحذافير الدين، كانا يريدان فرض التزام تعاليم الحريديم على غيرهم من اليهود، مما جعلنا مكروهين من اليهود ومن غيراليهود" ص 57. "أخذني أبى وذهبنا إلى حائط المبكى في القدس وبكينا هناك كثيرا لفترات الشتات الطويلة التي عاشها اليهود. تأثرت ببكاء من حولي وبتلاوتهم الكتاب المقدس، ووَدِدْتُ أن أبكي مثلهم، ولكني لم أستطع..."عندما دخلت المدرسة العليا، بدأت أتخذ طريقا آخرغيرالبكاء"ص 58. كان يوقع بين زملائه العداوة والبغضاء، كان يقرض زملائه ممن يحتاجون المال، ولكن بفائدة كبيرة، كانوا يعجزون في أغلب الأحيان عن دفعها. أطلقت عليه إحدى الفتيات إسم "شايلوك".وشايلوك ،هو المُرابي اليهودي ذو الشخصية الجشعة في كوميديا شكسبير "تاجر البندقية" الذى وبالرغم من صفاته الدنيئة، إلا أنه فخور بنفسه. يمكن وصف ديفيد بأن الدولار هو أبيه وأمه .كان يؤمن بمقوله أبيه" سوف تخسر الكثير من المال أثناء جريك خلف النساء، ولكنك لن تخسر النساء أثناء جريك خلف المال. المال أهم شيء لنا كيهود يا ديفيد. نذل به أعناق الرجال، ونشتري النساء، ونقرض الدول والحكومات ونحقق أهدافنا. المال أهم من المرأة". شخصية ديفيد وضيعه وخسيسه طوال الخط الروائى حتى المرأه التى أحبها كان خسيسا معها " لقد أحبتني ... وأشعر أنني أنجس أهل الأرض جميعا، ولو نزلت أعذب أنهار الدنيا لملأتها بالنجاسة. أعترف بأنني أحقر إنسان على وجه هذه الأرض. لقد بعت جين، بعتها بأبخس الأثمان ص 71. ديفيد كان يبطن الكره " أكره مصطفى البطنيجي، ولماذا لا أكرهه وهو مصري يكرهني ويكرهنا كيهود. إننا أعداؤه وبيننا وبينه ثأر كبير.كيف لا أكره مصطفى وأكره المصريين؟ إن كرهي لهم يسري في جسدي كله كما يسري دمي. كيف لا أكرههم وقد أخرجوا بني إسرائيل، أخرجونا نحن منها ...لا يمكن أبدا، أن أنسى أن عبدالناصر أخرجهم من مصر أيضا وطردهم شر طردة. لا أنسى أن السادات حطم أسطورتنا بأننا الجيش الذي لا يُقهر، بعد أن غافلنا وضربنا على حين غرة في 1973. تاريخكم الأسود معنا طويل. إن عداواتنا لمصر والمصريين طويلة عبر التاريخ، ولا يمكن أن نغفلها أو ننساها أبدا. الويل لكم منا أيها المصريون. الويل لكم. الزمان بيننا وبينكم طويل. لن نهدأ ولن تهنأ لنا نفس إلا بإنشاء إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. لابد أن نجعلكم عبيدا لنا كما استعبدتمونا وأذقتمونا سوء العذاب كما يذكر قرآنكم"ص 71. الصراع بينهما لم ولن ينتهي ، فالصراع قائم على أساس عقائدي ديني وطائفي صراعا ربما يتحول إلى طوفان كبير يأتي على الأخضر واليابس ... سيحاول كل طرف أن يستقطب أطرافا أخرى، وقد ينتهي الأمر بحرب عالمية ثالثة تدمر العالم كله ولن ينجو منها أحد. اللافت للنظر فى الرواية غزارة المعلومات التاريخيه بشأن الصراع الفلسطينى الإسرائيلى بما فى ذلك الصراع العقائدى، فالكاتب مُلم بالكثيرمن المعلومات والحقائق التاريخيه المستفيضة، فالمشاهد الحوارية طويله ومستفيضه وملئ بوقائع من التاريخ وبالحجج القوية التى تهزم الخصم ولو كلاميا. "ونحن في إحدى مجادلاتنا ... كنت أؤكد أن أورشليم في الأصل عبرية ونحن اليهود أول من أطلق عليها هذا الاسم، وحُرفت أحيانا إلى يورسليم، ويرد عليه مناظره الحجه بالحجه "أولا: كلامك خطأ ولا أصل له من الصحة. اسمعوا أيها الزملاء. كل ما يقوله ديفيد خطأ. كانت القدس التي أسموها يبوس في البداية عبارة عن أربعة تلال، وفي كهوفها المنتشرة على هذه التلال عاش اليبوسيون الذين هم فرع من قبيلة بني كنعان العربية لأن أصلها من جزيرة العرب وكانوا قد هاجروا إليها منذ خمسة آلاف عام، ولما تطورت أحوالهم وتقدموا أصبحت لهم حكومة ورأسها ملكي صادق، أعادوا بناء المدينة وأطلقوا عليها اسم مدينة السلام، فكلمة أور تعني مدينة وسالم تعني السلام، ولما مر الزمان تغير اسمها من أور سالم إلى أورشليم، ولا علاقة لبني إسرائيل بهذا الاسم إطلاقا"ص 71. وتتصاعد الاحداث وتصل لذروتها ليصل بنا الكاتب إلى أروع مشاهد الروايه وأكثرها حماسا فيصف لنا المظاهرات فى ساحة جامعة كولومبيا كما يصفها دكتور هنرى، "صوت الطلاب يتعالى وكأنه هدير دبابات. حناجرهم تهتف وقلوبهم تبكي. أصواتهم تلهب حماستي. يصفقون ويغنون...أجدني أردد ورعشة الحزن تمتزج بفورة الغضب داخلي: " لأجلك يا قدس يا مدينة الصلاة أصلّي ... عيوننا إليك ترحل كل يوم ... تدور في أروقة المعابد ... تعانق الكنائس القديمة ... وتمسح الحزن عن المساجد"ص 120. فيعبر هنرى عن عدوى الحماس التى انتابته قائلا "هتافات الطلاب وحماستهم تهزني. أصواتهم ترجني، وتستثير الحماسة بداخلي. أشعر وكأنني أريد أن أدك الأرض دكا. يمكنني أن أزيل الجبال من أمامي. الآن عرفت لماذا يخاف الطغاة والظالمون من المظاهرات والهتافات، ولماذا يسعون إلى قمعها وخنقها وقتل من فيها. سمعت الطلاب والطالبات يرفعون أصواتهم قائلين باللغتين العربية والإنجليزية: "تحيا فلسطين". وفجأة خرست أصوات الطلاب، وبصوت واحد منتظم ... قالوا وهم يدبدبون بأقدامهم بصخب وجلبة وبكل ما في وسعهم، وكأنهم بساحة قتال حقيقية: " الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان ... الغضب الساطع آتٍ سأمرُّ على الأحزان ... من كل طريق آتٍ بجياد الرهبة آتٍ... لن يقفل باب مدينتنا فأنا ذاهبة لأصلّي ... سأدقّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب ... الغضب الساطع آتٍ بجياد الرهبة آتٍ ... وسيهزم وجه القوّة ... البيت لنا والقدس لنا ... وبأيدينا سنعيد بهاء القدس ... بأيدينا للقدس سلام آتٍ"ص 121. وبعد أيام من المظاهرات استطاعوا إستقطاب جماعات دينية يهودية غير متطرفة، وكان يكفيهم أنها مناوئة للصهيونية. صاروضعهم أفضل وموقفهم أقوى. وانضم إليهم أيضا طلاب من جامعات هارفارد وبوسطن ونورث كارولينا وجامعة أوهايو. وأصبحوا مركز اهتمام العالم. ضرب الكاتب بروايته على وتر الشجن الدائم لكل عربى ومصرى. عبر عن كل من عانى من ويلات الإحتلال والخراب الأليم. جاءت كتابة د. درويش معبرة عن كل ضياع وكانت صيحة كل مهزوم . عبرت عن الإحساس بالقهر والعجز معا. قهر داخلى وخارجى ونفسى مرتبطة بالعجز وقله الحيلة التى نلمس آثارها فى عدم القدرة على مواجهة المحتل، كشف الكاتب لنا من خلال الحوارات المطوله فى الرواية وأحداثها عن حقائقنا ونوازعنا الداخلية وأظهر مكرومكائد العدو وما يحيك من مؤامرات لينتصر بالباطل. رواية مختلفة إبداعية تتحدى غياهب مرارة حقائق التاريخ وقسوتها وشدة الاحتلال وظلمته.ومع ذلك تُعد النهايه بمثابه لمحه تفاؤل لأن طرف الحق هو الغالب فى نهايه الرواية ولو كان إنتصارا وقتيا ولكننا سنعدها إشارة للنصرالممكن وبأنه ليس مستحيلا. رواية الطوفان الكبير تدفعك لمتابعتها بكل ما يعتصرك من ألم تجاه القضية الفلسطينية وكان سبيل الكاتب للتأثير هو تكنيك ال التنفيس أو ال catharsis فتحققت فى إطار من السرد الشيق إلى جانب أهمية الفكرة ورشاقة العبارة وبالخوض فى تفاصيل التاريخ وكشف كذب الآخروبذلك أتت رواية "الطوفان الكبير" ممثلة صرخة كل غاضب ومتنفس لكل عاجز قليل الحيلة إزاء القضية ولسان كل صامت وقول حق لكل من يهمه الأمر.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.