" بدأت بزيارة قبر أبي وأمي، أسألهم الثبات، وأعماقي تغلي بما أفهم ومالا أفهم. اختلطت ملامح الأماكن والأشياء. ارتبكت المسافات، اقترب البعيد، والقريب ابتعد . لم يعد المهم مهما، ولا التافه تافها . الموازين والثوابت جرفتهما انهيارات رعناء . سطورتبعث بالتيه واللغط وانعدام الفهم والمعنى... تطرح رواية “كائن رمادي" نموذجاً مغايراً للسرد العربي المعاصر، إذ تخلّت عن البنية التقليدية للرواية القائمة على تتابع الأحداث وتطور الشخصيات، لتغدو نصاً فلسفياً ، تأملياً يقوم على مسألة الوجود. الرواية تأملية تتسائل عن الحرية والموت والمعنى، فتضع القارئ في مواجهة مباشرة مع قلق الإنسان الحديث. يبني النص جدليته الأساسية على الصراع بين نزوع الذات نحو المطلق وقوة القدر والزمن والموت. يتجسد الراوي بوصفه ذاتاً متسائلة، لا تطمئن إلى أي يقين، بل تظل عالقة في سؤال مفتوح: "إلى أين؟". هذا القلق يعكس ما يسميه سارتر "الوجود قبل الماهية"، حيث يُلقى الإنسان في العالم دون خارطة مسبقة، ويُطلب منه أن يصنع معناه (سارتر، 1943). يمتزج القلق الوجودي في الرواية بلمحات روحية واضحة. بطل الرواية وراويها "وليد" ، ينقل لقارئه إحساسه بالتيه وباللاجدوى، يجد في الهروب والبعد ملاذا: "إذن إلى هناك ، ماهو هذا ال ’’هناك’’، لا يهم ...الكون لا يحسم الأجوبة، لا يتبرع بأن يعطينا معلومات كافية، ومهما أعطانا لايلبث أن يتمدد، حيث يولد جديد لا نعلمه، محظوظ أيها الكون، فأنت في حالة عدم انتهاء، وبالتالي لا يوجد للمؤقت مكان عندك". الراوي (وليد) ذاتي (الأنا) حاضر بقوة، يعيش صراعاً داخلياً أكثر من مواجهة مع شخصيات أخرى. الشخصيات الثانوية لا تؤدي أدواراً درامية متكاملة، بل تأتي بوصفها إشارات عابرة. حتى حين يذكرهن (إيمان، عائشة، غادة )، يظهرن كرموز لعلاقات عابرة أو مؤقتة فى رحلة حياته فهو لم ولن يركن إلى أى منهن. الزمن يدور ويتكرر، لا يتقدم بخط مستقيم بل يعود دوماً إلى السؤال ذاته: “إلى أين؟”. الرواية تنبني على أسئلة وجودية كبرى: إلى أين؟ ما الهدف؟ ما معنى الحرية؟ ما جدوى السعي؟. يتجلى فيها وعي قَلِق مشدود بين نزوع إلى المطلق وإحباط من حتميات القدر والزمن والموت. النص يعلن رفضه لفكرة الهدف الثابت ويعتبرها صنماً، وفي المقابل يقبل بانبثاق المعنى المفاجئ العابر. "والآن لا هدف ، هل هذا معقول؟ الهدف صنم نعيد صياغته وانتاجه على الدوام، إنني أتعمد الهروب من السؤال والإجابة، ماالهدف العاجل الآن ؟". "أخاف أن يغيب الهدف فيحضر الاكتئاب بجحافله الصامتة الغبية، لا يصح أن أحيا مجردا من زخم الغاية، إذن لأبحث عن هدف لا يغيب عن خاطرى وأصبح عبدا له، فأكتبه على الحائط أو في مكان بارز من مفكرتي، وأصبح عليه كل يوم : صباح الخير سيدي الهدف، ما أغباني حقا، لماذا أرتبط بهدف يستعبدني ، كلا لا هدف بعد اليوم، قد يتحقق شىء عظيم ليس في حسباني فجأة، يتفوق على أي هدف مرسوم، بصراحة إنها كلمة مملة، والمشكلة أن عقلي لا يكف". الراوي يمارس دور المتأمل المتسائل أكثر من كونه راوياً للأحداث. النص يتحرك بين رؤى تشككية عن الكون والخلود، وتأملات فلسفية حول الغاية والعدم، ليجعل القارئ في مواجهة مأزق الإنسان أمام المصير. الزمن يُصوَّر كخصم ماكر يسلب كل يقين ويجعل المساكن والعلاقات والممتلكات مجرد عقود مؤقتة سرعان ما يبطلها الموت "إن مساكننا التي نملكها ليست ملكنا في الحقيقة ، الزمن يصنع بيننا وبين الأشياء والأماكن تعاقدات خادعة لا تلبث أن تختفي أو تنقرض، وحينئذ تضحك الجدران، والأبواب، والنوافذ علينا حين ننظر إلى الأمور بشيء من الفخر والكبرياء،فبعد حين قد يكون مجرد ساعات قليلة يختفي كل شيء، وقد لا نحظى حتى بشرف التذكر". أما المكان والزمان فيحملان قيم رمزية: الجبل كحماية وسمو، البيت كنداهة، والقبر كمرآة للثبات والخلود. الزمن بدوره دائري، يعيد إنتاج السؤال المركزي من دون تقدم أو حسم".أوراق الأيام تتساقط بانتظام ممل"...ككل مرة يتمرغ السؤال في شراييني : إلى أين ؟ ... السؤال نفسه صار مملا لأنه يصطدم بالحائط، بأي حائط في كل مرة، سواء حوائط الجمادات أو الزمن أو الواقع أو النوم. يهرب "وليد" إلى الطبيعة فى لحظات إشراق مؤقته : الجبل، الصحراء، السماء تتحول إلى مرآة للذات. "فوق القمم يتسع وعي الراوي ويدرك ضآلته، فنجد صور الطبيعية تكسر جفاف الفلسفة وتمنح النص إيقاعاً حسياً مؤقتا بدوره هو الآخر، فالبطل "وليد" اعتنق التيه، وكلما استقر أمره بمكان، هم إلى آخر، فهو ينتمى إلى اللآإنتماء ذاته "لأجرب الانطلاق فورا ، ولكن إلى أين؟ لا يهم ، ليكن إلى المجهول، وهناك، حين أصل إلى الموقع الجديد سيصبح معلوما، إلا أنني أخشى أن أجد القدر مُحلقا فوق رأسي هناك أيضا بالرغم من أنني استأذنته "..."تجهدني الدوائر المفرغة" عموما إنني الآن في نشوة منقوصة بمشاعري الرمادية"، هذا التوتر بين الإيمان واللاجدوى يشكّل ما يسميه بول تيليش "القلق أمام العدم"، حيث يتحول البحث عن المعنى إلى معركة روحية. اللون "الرمادي" لعب دورا بوصفه أفقاً وجودياً ، فرمزية اللون الرمادي ليست مجرد توصيف لحالة نفسية،بل تجاوز كونه لوناً رمزياً ليصبح حالة وجودية بل ورمز للمنطقة الملتبسة بين النور والظلام، بين الأمل واليأس، بين الحياة والموت، بين اليقين والشك، بين الرغبة في المعنى والسقوط في العدم. إنه اللون الذي يحكم التجربة الإنسانية حين تُفرغ من اليقين و حين يسقط الإنسان في مواجهة فراغ لا يملؤه أى يقين . تُدرج رواية "كائن رمادي" ضمن الروايات الوجودية التأملية، حيث يغدو السرد مرآة للفكر أكثر من كونه أداة للحكاية. قوة النص في لغته العربية المشحونة بالصور الرمزية، وفي قدرته على تحويل القلق إلى آداه مؤثره تنتقل إلى القارئ: "وقد، وقد، ويظل اليقيني هو الموت نفسه، لكنه أيضا مؤقت له آخر هو البعث...تلهينا الدنيا بتغيرات الفصول، كأنها تنويعات على يقين النهاية". الخطاب السردي يقوم على "المونولوج الداخلي" أوما يعرف ب "تيار الوعيstream of " consciousness" .تيار الوعي في الرواية هو أسلوب سردي يعكس التدفق الداخلي للأفكار والمشاعر كما تجري في ذهن الشخصية دون ترتيب منطقي أو تسلسل زمني. و بما أن السرد يتخذ طابع الاعتراف الداخلي (المونولوج) أكثر من كونه سردا للحكاية التقليدية. فأتت الأحداث قليلة، مختصرة التفاصيل ولكن الهواجس طاغية، مما أخرج الرواية منتمية إلى قالب تيار الوعي أو نصوص التأمل الوجودي. "كائن رمادى" ليست رواية أحداث بل رواية أسئلة، نص رمادي بالمعنى الجمالي والفلسفي، حيث يتحول القلق إلى محركا للسرد، والبحث عن المطلق إلى بوصلة رغم انعدام الطريق. . فالنص يفتح أفقاً وجودياً جديداً في السرد ، حيث تتحول الرمادية إلى رؤية للعالم، والقلق إلى بوصلة فكرية. وبقدر ما يترك القارئ حائراً أمام سؤال "إلى أين؟"، فإنه يرسّخ وظيفة الأدب بوصفه أداة للتساؤل والوعي.