
تُعدّ رواية الكاتبة الأمريكية هاربر لي "أن تقتل طائرا بريئا"TO Kill A MOCKINGBIRD ، الصادرة عام 1960 والحائزة على جائزة" البوليتزر"، واحدة من العلامات الفارقة في الأدب الأمريكي الحديث. فقد لاقت انتشاراً واسعاً منذ صدورها، واستمدّت الكثير من مادتها من حياة" لي" نفسها، ومن مشاهداتها لعائلتها وجيرانها، وكذلك من حادثة وقعت قرب بلدتها عام 1936 حين كانت في العاشرة من عمرها. وبرغم تناول الرواية قضايا ثقيلة كالمحاكمات الجنائية والتمييز العنصري، فإنها تتميّز بروح الدعابة والدفء الإنساني. وقد غدت شخصية " آتيكوس فينتش"، والد الراوية، رمزاً أخلاقياً ونموذجاً للنزاهة لدى قرّاء كُثر. ويقول أحد النقّاد إن "أن تقتل عصفوراً بريئاً» هو أكثر الكتب الأمريكية قراءة في القرن العشرين حول قضية العنصرية، وأن بطله" آتيكوس فينتش" يُعدّ من أكثر الشخصيات الخيالية بطولية وشعبية في هذا السياق. وبوصفها رواية تنتمي إلى “القوطية الجنوبية” (Southern Gothic) وهو اسم إتجاه أدبي ظهر في جنوب الولايات المتحدة، ويتمَيّز بتناول الجوانب المظلمة في المجتمع الجنوبي، مثل العنصرية، العنف، الفقر، التفكك الاجتماعي، إضافةً إلى شخصيات غريبة أو هائمة أو مُهمَّشة، وأحداث تحمل طابعاً كئيباً أو غرائبياً أحياناً. تنتمي روايه "أن تقتل عصفورا بريئا" إلى هذا الاتجاه الأدبي الذي يكشف الجانب المظلم والمضطرب في المجتمع الجنوبي الأمريكي، من خلال شخصياته، ومشاكله، وأجوائه الثقافية والاجتماعية. تعالج الرواية عدةَ موضوعاتٍ، منها التفرقة العنصرية وفقدان البراءة، كما يتوقف الأكاديميون عند تناول" لي" لقضايا مثل الطبقية والشجاعة والتسامح. وتُدرَّس الرواية على نطاق واسع في البلدان الناطقة بالإنجليزية ضمن مناهج تُعلي من قيم التسامح وتناهض التعصّب، لكنها في الوقت نفسه واجهت حملات عديدة لسحبها من الصفوف الدراسية. ورغم شعبيتها الكبيرة، يرى بعض القرّاء أنها لا تقدّم صورة منصفة للسود. وقد حُوِّلت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1962، نال ثلاث جوائز أوسكار. لا يزال" أن تقتل طائرا بريئا" ً ل "هاربر لي" عملاً مؤثّراً لأنه يجمع بين قصة عن العنصرية والظلم من منظور طفلة ما تزال تتعلّم كيف يعمل العالم من حولها!. لا تطرح الرواية أفكارها من خلال خطب مباشرة، بل تتيح للقارئ أن يرى كيف يظهر التحيّز في اللحظات اليومية العادية، وكيف يوجّه إحساس المجتمع بالصواب والخطأ. وتُعدّ محاكمة "توم روبنسون" المثال الأوضح على ذلك. فالأدلة ضعيفة، والشهود غير موثوقين، ويكشف "أتيكوس" الحقيقة بهدوء ودقّة. ومع ذلك، تُصدر هيئة المحلّفين حكماً بالإدانة. ولا تقدّم "لي " ذلك على أنه منعطف درامي، بل بوصفه أمراً يعتبره أهالي البلدة طبيعياً، مما يجعل وقع النتيجة أثقل. فالحكم لا يخصّ "توم" وحده؛ بل يكشف مدى تغلغل العنصرية في منطق مقاطعة "مايكم". فمعظم الناس يفضّلون التمسّك بمعتقداتهم القديمة بدلاً من إعادة النظر فيها، حتى لو أدّى ذلك إلى ظلم بريء. ويقوّي منظور "سكاوت" الرواية لأنها لا تدرك تماماً ثِقل ما تشهده. إن ارتباكها يوضّح كيف يعلّم الكبارُ الأطفالَ ما ينبغي قبولُه وما ينبغي تجاهلُه. فهي حين تسمع الإهانات التي تُوجَّه إلى والدها، لا تفهم بعدُ لماذا يُعدّ الدفاع عن رجلٍ أسود أمراً مثيراً للجدل؛ كل ما تعرفه أن "أتيكوس" يرى ذلك عملاً صائباً. وتعمل براءتها كمقياس يبيّن مدى ابتعاد البلدة عن العدالة. فإذا كانت طفلة ترى بوضوح خطأ ما يحدث، فلماذا لا يراه الكبار؟ غالباً ما يُنظر إلى "أتيكوس" على أنه المركز الأخلاقي للرواية، وهو يستحق هذا الدور، لكن لي لا تقدّمه كشخص كامل. فهو يعتقد أن الناس أفضل مما يُظهرونه في سلوكهم، ويبدو هذا الاعتقاد أحياناً مفرطاً في التفاؤل. إن هدوءه وإصراره على المنطق والتعاطف يتناقضان بشدة مع الغضب والخوف المحيطَين به، لكنهما يبرزان أيضاً حدوده. يستطيع أن يشرح معنى العدالة، لكنه لا يستطيع إجبار جيرانه على تطبيقها. تحترم الرواية نزاهته، لكنها تكشف أيضاً أن الصلاح الفردي وحده غير كافٍ لتغيير نظام يقوم على عدم المساواة. وتضيف الحبكة الجانبية المتعلقة بشخصية "بو رادلي" طبقة أخرى إلى الرواية. ففي البداية يكون شخصية غامضة تكثر حولها الشائعات، لكن مع مرور الوقت تتعلّم "سكاوت" رؤيته كشخص حقيقي صاغته العزلة والصدمات. وعندما ينقذها هي و"جيم"، تدرك أخيراً نصيحة "أتيكوس" السابقة عن ضرورة “تقمّص” مشاعر الآخرين. وهذه اللحظة ليست عن "بو" وحده؛ إنها تعود إلى الفكرة الأساسية للرواية: كثيراً ما يختبئ الناس خلف قصص تمنحهم شعوراً بالأمان، حتى لو كانت تلك القصص خاطئة أو مؤذية. ورؤية "بو" بوضوح هي الخطوة الأولى لبدء سكاوت في رؤية مجتمعها بوضوح أيضاً. وفي النهاية، تنجح رواية " أن تقتل طائراً بريئا"ً لأنها تربط القضايا الكبرى بتجارب صغيرة وشخصية. فهي لا تصوّر العنصرية كشيء بعيد أو مجرّد، بل تُظهر كيف تتجسّد في النميمة، وفي الصفوف الدراسية، وفي قاعات المحاكم، وفي التوقعات التي يورّثها الكبار للأطفال. وتدعو الرواية القارئ إلى الانتباه للطرق الصامتة التي يصبح بها الظلم أمراً طبيعياً، وإلى مساءلة الافتراضات التي تدعمه. وبعد أكثر من ستين عاماً على صدورها، ما تزال الرواية تحثّ قارئيها على هذا النوع من الانتباه. فهي لا تقدّم دروسها عبر خطب رنانة، بل عبر إدراك بطيء بأن بلدة تعتبر نفسها محترمة يمكن أن تكون ظالمة بعمق أيضاً. هذا التوتر هو ما يمنح الرواية قوتها الدائمة ويجعل وعي سكاوت المتنامي مؤلماً وضرورياً في آنٍ واحد.

منشورة بجريدة القاهرة