04 Jan
04Jan

تدور قصة "حادثة بعيدة" حول بروفيسور أجنبي متخصص في اللغويات يزور قرية نائية في شمال إفريقيا بهدف دراسة اللهجات المحلية. كان قد زار القرية قبل سنوات، ويعتقد أن معرفته باللغة وثقته بنفسه ستجعلان رحلته آمنة وسهلة. منذ البداية يظهر البروفيسور واثقًا من ثقافته ومعرفته، لكنه في الحقيقة يجهل طبيعة المكان وقوانينه غير المكتوبة. عند وصوله، يكتشف أن صديقه القديم صاحب المقهى قد توفي، فيشعر بالعزلة، في أحد المقاهي، يتعرف على قهوجي يعرض عليه مساعدته في الحصول على علب مصنوعة من ضرع الجمال، فيوافق البروفيسور على مرافقته ليلًا خارج القرية. رغم شعوره بالخوف، يقنع نفسه بأن الأمر آمن، معتمدًا على عقله ومنطقه. يقود القهوجي البروفيسور إلى مكان منعزل قرب الصحراء، ثم يتركه وحده. أثناء محاولته النزول في طريق جبلي، يتعرض البروفيسور لهجوم من الكلاب، ثم يقع في أيدي جماعة بدوية تُدعى "الرقيبات. تقوم هذه الجماعة بالاعتداء عليه بعنف، وتسرق أمواله، وتقطع لسانه، فيفقد قدرته على الكلام، وهي الضربة الأقسى له باعتباره لغويًا. بعد ذلك، يُؤسر البروفيسور ويُعامل كحيوان أو أداة للترفيه. يُلبسونه حليًا من علب الصفيح، ويجبرونه على الرقص والحركات المضحكة لإسعاد الأطفال والرجال. مع مرور الوقت، يفقد وعيه وهويته الإنسانية، ويتحول إلى كائن مطيع لا يفكر ولا يحتج، بل يتكيف مع وضعه الجديد. بعد مدة طويلة، يُباع البروفيسور لرجل في إحدى المدن. هناك، تبدأ بعض مظاهر الوعي بالعودة إليه تدريجيًا، خاصة عندما يسمع اللغة مرة أخرى ويرى كلمات مكتوبة على تقويم. يستعيد جزءًا من إدراكه، ويثور فجأة محطمًا المكان، ثم يهرب خارج المدينة. في المشهد الأخير، يركض البروفيسور نحو الصحراء عند الغروب، وهو يصرخ ويرقص لا إراديًا، بينما يراه جندي فرنسي فيظنه مجنونًا، ويطلق عليه النار عبثًا. يختفي البروفيسور في الصحراء، ويذوب صوته في الصمت الواسع، دون أن يعرف القارئ مصيره النهائي. تعكس القصة سقوط الإنسان عندما يفقد اللغة، والهوية، والحماية الاجتماعية، وتُظهر أن المعرفة والحضارة لا تكفيان دائمًا لإنقاذ الفرد في عالم تحكمه القوة. تعكس صراع الإنسان مع القدر والبيئة الصحراوية الغامضة، حيث ينهار البروفيسور الأوروبي المثقف في مواجهة قوى لا يمكن السيطرة عليها، تسلط القصة الضوء على ثيمات مثل العجز البشري، الغزو الثقافي، المسؤولية عن المصير، وتفكك الهوية، مشيرة إلى أن الصحراء هي بطل القصة الحقيقي، وأن أخطاء الأستاذ اللامبالية تجاه حضارة غريبة قد قادته إلى مصيره المأساوي، مما يجعلها قصة عن القدرية والتفسير النفسي للانهيار بدلاً من النظر إليه على أنه مجرد حادث عرضي . تُعدّ قصة "بول بولز" القصيرة حادثة بعيد  (A Distant Episode) دراسة في الغرور الثقافي، وحدود السلطة الفكرية، وسهولة انهيار الهوية الإنسانية عندما يُنتزع الفرد من البُنى الاجتماعية التي تمنحه المعنى. فمن خلال التفكك التدريجي لشخصية البروفيسير، يوجّه بولز نقدًا حادًا للاعتقاد بأن المعرفة، واللغة، والحضارة قادرة على حماية الإنسان في بيئة غريبة عنه. وتذهب القصة في النهاية إلى أن هذه المفاهيم ليست سوى أوهام هشة، يمكن تحطيمها بسهولة بالقوة أو من خلال الظروف. منذ البداية، يُقدَّم البروفيسر بوصفه شخصية واثقة من تفوقها الفكري. فهو يعرّف نفسه بفخر على أنه «لغوي»، موضحًا أنه «يقوم بمسح لاختلافات اللهجة المغربية». هذا الهدف الأكاديمي يجعل المنطقة موضوعًا للدراسة لا مكانًا حيًا مليئًا بالمخاطر. غير أن هذه الثقة تُقوَّض مبكرًا بتعليق السائق الساخر: «لا توجد لغات هنا، بل لهجات فقط». يكشف هذا القول الفجوة بين التصنيفات الأكاديمية والواقع المعاش، ويشير إلى أن ما يمنحه الأستاذ قيمة فكرية لا يحمل أي وزن عملي في العالم الذي دخله. يتجلى غرور البروفيسيرأيضًا في اعتقاده بأن اللغة تمنحه الأمان والانتماء. فهو يتحدث اللهجة بطلاقة ويفتخر بذلك، لكنه يفشل في تكوين أي صلة إنسانية حقيقية. فعندما يسأل عن صاحب المقهى حسن رمّاني، تأتيه الإجابة القاطعة: «لقد توفي». هذه العبارة البسيطة تحطم افتراضه بأن العلاقات الماضية ما تزال قائمة، وتكشف عزلته الحقيقية. ومع ذلك، يواصل الاعتماد على المال واللباقة واللغة، ويمنح إكراميات مبالغًا فيها، معتقدًا أن هذه التصرفات تمنحه السيطرة. تبلغ هذه الثقة الزائفة ذروتها أثناء سيره مع القهوجي. فعلى الرغم من إحساسه بالخطر، يقمع حدسه مرارًا ويستبدله بالتفكير العقلاني، متسائلًا إن كان في «موقف أم ورطة»، ومقنعًا نفسه بأن خوفه «سخيف». إن اعتماده المفرط على العقل يجعله أعمى عن الواقع. وحتى عندما يقول له القهوجي بوضوح: «لا أحد يعرفك»، يعجز عن إدراك خطورة كونه وحيدًا تمامًا بلا حماية. وهنا يشير بولز إلى أن الذكاء، إذا اقترن بالغرور، قد يصبح أداة للهلاك. بعد أسره على يد الرقيبات، تبدأ هوية البروفيسور بالتفكك الكامل. وأبشع لحظات العنف هي قطع لسانه. هذا الفعل ليس تشويهًا جسديًا فحسب، بل محو رمزي للهوية. فاللغة هي جوهر شخصية الأستاذ، وبفقدانها يفقد مصدر قوته وتفوقه. بعد ذلك، يتحول البروفيسور إلى مجرد وسيلة للتسلية. يُلبس «أحزمة غريبة مصنوعة من قيعان علب الصفيح»، ويُجبر على الرقص لإضحاك الآخرين. ومع مرور الوقت، يتكيف مع وضعه، ويبتكر «برنامجًا بسيطًا» من الحركات والرقصات. ويكمن رعب هذا التحول في كونه استسلامًا كاملًا؛ فلا مقاومة بطولية ولا كرامة خفية. فالبقاء هنا لا يتحقق إلا بالتخلي عن الإنسانية. تعود اللغة لاحقًا، ولكن بوصفها أصواتًا بلا معنى. فعندما يسمع البروفيسور العربية في نهاية القصة، لا يدرك سوى شذرات مثل: «إن الانتقام السماوي قادم». لم تعد الكلمات وسيلة للفهم، بل مجرد ضجيج. ويأتي وعيه العاطفي الأخير لا عبر البشر، بل من كلمات مطبوعة على تقويم يقرأ فيها: «الدكان الكبير. يونيو». تعود الحضارة هنا بوصفها رمزًا مجردًا لا خلاصًا حقيقيًا. أما النهاية فترسخ الرؤية القاتمة للقصة. فعندما يهرب البروفيسور ويركض نحو الصحراء، يراه جندي فرنسي ويظنه «مجنونًا مقدسًا»، فيطلق عليه النار «للحظ». تعكس هذه اللحظة نزع الإنسانية ذاته الذي تعرض له سابقًا. فالأستاذ يُختزل مرة أخرى إلى شيء، وهذه المرة على يد الحضارة التي كان يمثلها. في الصورة الأخيرة، يركض البروفيسور في الصحراء بينما يتلاشى صوت الصفيح المربوط بجسده داخل «الصمت العظيم خلف البوابة». يؤكد هذا المشهد الرسالة الأساسية للقصة: عندما تُسلب اللغة والهوية والحماية الاجتماعية، يصبح الإنسان كائنًا هامشيًا بلا معنى. إن “حادثة بعيدة ”تؤكد أن الحضارة ليست درعًا حقيقيًا، بل قشرة رقيقة، وما إن تتشقق حتى لا يبقى شيء يضمن الكرامة أو النجاة.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.