04 Jan
04Jan

الأساطير ليست كاذبة حتى ولو لم تحدث المهم أن يصدقها الناس وحين يفعلون تصبح جزءا من حركة الدنيا... هناك حب يحيى النفس ويجعل الحياة أكثر نشوة وجمالا ، والله يا ساده يغير كل شىء حتى الألوان، حب يدوخ عليه معظم البشر، هناك ناس تتمنى أن تطلع من الحياة بقصة حب فقط، الحب هو جمال قفزه الغزال حين لا يهرب من شيء والخوف والكره هما قفزاته وجحيمه حين يهرب ممن يصيده   بعد الإنتهاء من معايشة الحدوته الحلوه " الحب بمن حضر" وأفضل تسميتها ب “الحدوته الحلوه” عن الرواية لأنها أتت لنا مروية على الناى مبدوءة ب” كان ياماكان”  ، ومنتهية بكان ياما كان،وكان ياماكان لكن للضروره أحكام، وللحكايات تمام، لابد أن نصل اليه ونصل به،  فتأرجحت فصول الحدوتة بين عنوانان"موعود و بهجة”  و"راو على الناى"يفصلهما، عناوين "مُسعد” و"رسالة عند السادسة مساءا" ، و"حلم صباح" مما أضفى على الحدوته روحا خاصة بها، نجحت فى تصوير براءة الصغار البكر ممزوجة بأحلام العجائز. تُقدم الرواية عالَمًا سرديًّا يتقاطع فيه الحلم بالواقع، والأسطورة بالمعيش اليومي، عبر حكاية قرية صغيرة تتمحور حياتها حول “القمّينة”؛ ذلك الموقد الجماعي الذي يتحوّل من   الطوب إلى مركزٍ للكون ورمز للقَدَرولعنته، ومآل محتوم،ومن هذا المكان الملتهب تنبع الحكاية، وتتشابك مصائر الشخصيات، ويُعاد تشكيل معنى الحياة والحب والموت، إنها لعنة الطين ، منه أتيتم وإليه تعودون7 تنطلق الرواية من بنية تشبه الحكاية الشعبية، نبوءة قديمة، وعجوزٌ ينتظرريحًا غامضة، و ،  وقرية تؤمن بأن حياتها مرتبطة بالقمّينة؛ تموت بموتها وتقوم بقيامها الرواية تتحرك بين زمنين: زمن الأسطورة، حيث ينتظر العجوز الريح، وحيث القمينة تهدد بالقيام والفناء وزمن الحياة اليومية وقصه حب يغلفها الإنتظار.  رُسمت الشخصيات بين الأسطورة واللحم الحي فالعجوز وهو قارئ النبوءة وحامل الشعور بالخوف والذنب ممثلا حلقة الوصل بين الأسطورة والواقع، ينتظر الريح كما ينتظر الموت، ويعيش التوتر بين  “ ما يخشاه أن يحدث” وما يجب أن يحدث” ، لكنه في الوقت نفسه يملك سلطة خفية اكتسبها من قوة الطين والنار. و“موعود”: شاب ينهض من داخل الأسطورة، يصنعها من جديد، يُعامل بوصفه وارثا للطين ووارثا للخوف. لكن الطويلة أعاد إنتاجه كقوة حياه : هو الذي يصنع الطوب ويشكل الفخار يحول النار إلى فن. “وهو يغازل الطين بيديه كأنما يغازل الحياة ذاتها يشكلها على هواه، الفرجة على الخلق، على تشكيل الدنيا ثم تغييرها بلحظة كأنما لا يجب أن تثق بشىء أو تثق به حتى يتغير” .  “لم يخبرها موعود من قبل انه يحبها حب كبير، لم يصعد فوق قوالب الطوب وزعق بأعلى صوته فَ وجهها: أحبك، مع أن كل لفتة منه كانت تقول ذلك، قال كل شىء بكل شىء ، ما عدا لسانه بل نطقها بطريقه غير معتادة '، كل قطعه من جسده تهمهم وكل خيط من روحه كان يغنى ويدلل، أسر للطين والطين باح فخارا وألوانا”. فيتحول موعود فى مساره من شخص خاضع للقدر إلى صانعا لقدره، من تابع للعجوز إلى حامل لروحه.  أما  “بهجة” فاسمها “حاله” أكثر منه إسما، كانت عيناها تحمل كل رسائل الطمأنينة 23  فهى ليست مجرد معشوقه، بل قيمه روحانيه وجدانيه مضادة “للقمينه”، القمينة نار وتهديد و”بهجة" نور وحياه ، هي الفتاة الوحيدة التى تُخرج السرد من مناخ القلق إلى مساحات نور ليست نار، معها يبدأ موعود رحلة التحرر، ومنها يُعاد تعريف معنى النار. تظل بهجة تسأل نفس السؤال مع بدايه كل فصل مزين بإسميهما”موعود وبهجة” هل تحبنى يا موعود ؟ موعود لا ينطق بالحب، “أبو الهول” على حد وصفها، ولكن كل ما يصدر منه يفعل. وبمرور فصول الحدوتة، يزداد حزنها وقلقها فأصبح الحب بابا للحزن، لا شباكا للفرح، فيصف الراوى”بهجه” عن سؤالها المتكرر” لم يعد سؤالا، ولم أعد فى حاجة إليه، لا باب فرج مفتوحا، اصبح باب سوء موصدا” “حلقة مفرغه تحتاج إلى مشوار لحسم الأمر، ربما مشاوير تعبت من الأسئلة وتعبت أكثر من الردود ...فتصف مشهده قائلة ““وجدته بطينه”، تعبير بليغ وكأنه عندما غضبت “بهجة” رأت الطين “طينا” ،بعلته، ولم تعد تراه وسيلة تعبير عن حبه لها بتشكيل الفخار، وكأن طول الانتظار غير نظرتها للطين فبعد أن كان موطنا لجمال شعوره تغيرت رؤيتها فأصبحت سطحيه، فرأته بمعناه الحرفى " طينا"، فخرج التعبير معبرا عن حالتها “ وجدته بطينه”- بكسر الباء والطاء والياء والنون والهاء-، مُعلنة مللها وضجرها من ثبات حاله. بقية الشخصيات، جميعهم،لا يُرسمون لتكوين حكايات مستقلة، بل ليشكلوا جمهور الأسطورة…القرية، أهلها ، النساء القلقات، الرجال الخائفون، الغرباء…جميعهم يشكلون انعكاسا للمناخ النفسى الذى يضغط على البطلين.شخصيات مثل “علعول، مسعد ، الشيخ شويبس”، رسمت بتفاصيل نفسيه دقيقة. حملت الرواية كثيرا من الرمزية أتت فى شكل الطين والناروالقمينة وحتى أسماء الأبطال أنفسهم فالطين رمز للإنسان، يُصنع كما تُصنع الطوبة- يُنفخ فيه  - كل قطعة طين تخبىء سرا، مثل الطين الأصل والمصير، أتى رمزا للجذور والهوية والمادة الخام التي يمكن أن تتحول إما إلى خراب أو إلى جمال. والشئ بالشئ يُذكر، فتأتى النار رمزا للنضج تمنح الدفء واحيانا ترمز للخطر فتُهلك وتُهدد وهي البوابة التي يمر "موعود" من خلالها فيفهم نفسه ويبدأ فى التحول من مسكون بالأسطورة إلى صانع معنى. “القمينة" هى المكان الذي تتقاطع فيه الحكايات، ويتحرك منه القدر، تُمثل القلب النابض للأسطورة وتتحول في النهاية إلى أداة لتحديد مصائر الأبطال، فموت القمينة يعنى موت القرية وعودتها تعنى قيامتها. فكما تأتى رمزا للأمل والبناء قد تكون سببا في الهلاك والفناء.والأسماء كان لها نصيب أيضا من الرمزية التي تكشف عن رؤية الرواية، "موعود " ، كل شئ محكوم بالوعد، بالنبوءة، لكن تحقيقه لا يتم إلا بحضور الفعل،و"بهجة" هى النور المضاد للقدر، وهكذا تبنى الروايه علاقه بين الإسم وجوهر المضمون. الرواية لا تقدّم حدثًا واحدًا بقدر ما ترسم مناخًا ضاغطا، والقرية بأسرها تُدار بمنطق الهواجس؛ مما يجعل الحبّ ، عندما يجيء، حدثًا كاسرًا لهذا الجمود ،ويأتى أيضا كقوة مقاومة للقدر واللعنة، ممر نحو حياة مهددة بالفناء، .فالجميل فى الرواية أنها لا تقدم الحب فى هيئه خلاص كامل، بل فى هيئه ضوء يفتح الطريق، بينما تبقى الظلال قائمة فى الخلفية لا تقدم الرواية لحظة قيام القمينة كحدث أسطورى فحسب ، بل ك كشف السر، سر الخوف، سر الخيانة، سر الحب، ةسر الإنسان نفسه. فتأتى لحظة مواجهة الحقيقة سواء فى القرية القديمة أو فى بيت الزوج، القيامة هنا ليست نهاية  العالم، بل نهاية الوهم الذي صدمته رسالة مجهولة. وتربط الرواية بين “قيام القمينة”و قيام الحقيقة داخل النفس، فكل نار فى الخارج تجد نار فى الداخل، وهذا الترابط يمنح الرواية عمقا نفسيا يتجاوز حدود المكان أتت رمزية النار والإحتراق مُعبرة عن تنوع الحالات الشعورية لكلا من الحبيبين وأهل القرية على حد سواء،بقلب محروق يشمه أى عابر ولو لم يعرف موقع الشياط 182 ويدور الحوار بين موعود وبهجة: - ولماذا نحترق أصلا؟ - عشان نستوى زى الطين والفخار - أو نتحول إلى رماد يا موعود - ونرجع من جديد يا بهجه والعاشق يصبح معشوقا والمعشوق يصبح عاشق تجلت البراعة أيضا فى وصف حاله الارتباك والشكوك والغليان والفوضى التى كانت داخلهم أكثر من خارجهم، من يصل بنا إلى النهايه نهايه قصه الرسايل والحب معا ؟! البركان على وشك الانفجار ، الأرض بدأت تتشقق، البدايات عكس النهايات والحل فَ يد الحلال ،  الحكاية تمشى فى توازَى بين حدوتتين، واحده ساخنه ملتهبه مليانه تشويق وغموض، والأخرى بارده محاطه بنار القمينه التى لم تذيب جمود برودتها ، والقاسم المشترك بين الحدوتين الانتظار... الجميع ينتظر أهالى القريه الحبيبين. القراء... يصعد بنا الطويله على صفيح ساخن الرجال تنتظر ماذا بعد ؟ والنساء تنتظر الستر وبهجه تنتظر ان تنفك عقده لسان موعود وموعود موعود باالانتظار محاط بالنار من كل اتجاه .. والقراء ينتظرون ماذا بعد من فعلها! ؟ ما الآتى!!. لا أحد يعرف ميعاد القيامه، هناك علامات، لكن الناس تبالغ فى التأويل، ربما من الخوف واحيانا لتبدو فى موضع العارف ، لكن هذه قيامه لا تحتاج إلى فتاوى 163، والحاضر لا أحد يعرف له رأسا من ذيل ، الكل تائه، ثور مغمى يدور حول ساقيه محاطه بالنار من أربع جهات. الحب بمن حضر" هذا العالم المغلق الذي تخنقه الخرافة و" يحركه الخوف، لا يكسره سوى الحب الحب الذى يأتى ليقلب ميزان القدر ويمنح النار معنى آخر غير الهلاك. لكن “بهجة” لا تسأله الآن عن الحب، حضر فى غير وقته، جاء فى وقت الفتنة والفتنة تأكل كل شئ حتى الأحلام الطيبة، الفتن هى أكبر شر يمكنه أن يحرق سيره الناس وسيرة المكان ولا سلاح يمكن أن ينقذ البشر منها إلا الحب. كتابة وحيد الطويلة كتابه نابضة،معبرة،غزيرة و حية ، تكاد تنبهر بوصف أو بجملة ليلاحقك بما يليها...فيتضاعف الشعور...  ..  وصفتها من قبل بالمهيبه الطويلة متسارع الأفكار نابض الوصف ، لغه الروايه هى أحد أهم عناصر قوتها، فالجمل القصيرة تعتمد على لغة مشحونة بالإيقاع، فاللهجة وسط بين الفصحى والدارجة تعطى للنص ملمسا حيا، والجمل تنحت صورا حسية قوية، فالطين يُشم، والنار تُسمع، والخوف يُلمس، وحضور إسلوب التكرار يمنح للنص طابعا شفهيا كأن الرواى يحكى حول نار قديمة ، فبناء الأسطورة وتوليد هذه اللغه، رغم شعرية كثافتها لا تنزلق إلى التزيين الفارغ بل تبقى محمولة بوظيفة الإيقاع النفسى، لغة بسيطة صافية لا تفقد بساطتهاوقربها من الوجدان الشعبى. جعل الطويله من حياة البسطاء وتفاصيلهم صورا حية مرسومه بكلمات وعبارات معجونة بطين الناس من واحد من الناس وإلى الناس ، وتصويرها داخل عالما روائيا بذائقة أدبية بنكهة طبيعية خالصة. ولعلّ أهمّ ما يميّز تجربة "الطويلة" هو قدرته على النفاذ إلى الطبقات العميقة من التجربة الإنسانية، ولا سيما في البيئات المهمّشة التي تتصدّع تناقضاتها وصراعاتها المكبوتة. ففي ثنايا نصوصه يتكشّف انشغال واضح برصد حيوات الشخصيات التي تعيش على هوامش المجتمع، تلك التي تُلقي على كاهلها أثقال القمع والخذلان، وتواصل —رغم ذلك— بحثها الدائم عن خلاصها الخاص وحقّها في البقاء.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.